نحو تحويل تعيين رئيس الوزراء إلى لحظة تأسيس لا لحظة تجميل
نورالدين صلاح الدين
في التاسع عشر من مايو 2025، أعلنت قيادة القوات المسلحة تعيين الدكتور كامل إدريس رئيساً للوزراء. خطوة جاءت في ظرف وطني بالغ التعقيد، يتصدره المشهد الحربي وتتصاعد فيه التحديات الإنسانية، بينما تغيب مؤسسات الدولة المدنية وتترنح العملية السياسية تحت ثقل الاستقطاب والتشظي.
وعلى الرغم من الجدل الذي أثارته هذه الخطوة في الساحة الوطنية، فإن المواقف الدولية والإقليمية جاءت لتعكس درجة من التوازن والواقعية السياسية. فقد رحّب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي بالتعيين، مؤكداً على ضرورة أن يكون خطوة نحو السلام والديمقراطية، فيما أشار المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن الأمل معقود على أن يشكل التعيين نقطة بداية لمشاورات سياسية شاملة تؤدي إلى تشكيل حكومة تكنوقراط واسعة القاعدة، تعالج جذور الأزمة وتخدم تطلعات الشعب السوداني.
نقاط التقاطع ودلالات الموقفين:
عند قراءة الموقفين الصادرين من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، يمكن رصد تقاطع واضح في عدة محاور رئيسية:
1- اشتراط التوسيع السياسي: كلا الموقفين لم يتعاملا مع التعيين كمنتهى للعملية السياسية، بل شددا على أنه خطوة أولى ينبغي أن تُستتبع بمشاورات أوسع، نحو تشكيل حكومة شاملة قادرة على تمثيل أوسع طيف وطني.
2- ربط التعيين بمسار السلام: أشار كل من رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي والأمين العام للأمم المتحدة إلى الارتباط العضوي بين التقدم السياسي ووقف الحرب، مما يعكس فهمًا بأن الشرعية الحقيقية لأي حكومة قادمة يجب أن تُكتسب من قدرتها على إنهاء النزاع، وليس فقط عبر التعيين.
3- الدعوة لتلبية تطلعات الشعب: أكدت الأمم المتحدة خصوصاً على أهمية أن تعود الخطوة بالنفع على جميع أبناء الشعب السوداني من خلال تحسين الخدمات وتوفير الأمن، في حين أشار الاتحاد الأفريقي إلى ضرورة أن يكون التعيين محفزاً لاستعادة الدولة المدنية.
الاستحقاق الوطني والمسؤولية المحلية:
هذا الترحيب الحذر، في جوهره، لا يمنح شرعية مطلقة للقرار، بل يضعه في إطار مشروط يراهن على قدرة الحكومة المرتقبة على تحقيق اختراق في جدار الجمود السياسي، وكسر الحلقة المفرغة من الحرب والانهيار. كما يعكس إدراكاً دولياً لحقيقة أن الحل في السودان لن يأتي عبر قرارات إجرائية معزولة، بل من خلال عملية سياسية شاملة تشارك فيها القوى الوطنية على اختلاف مشاربها، وتؤسس لانتقال حقيقي.
ورغم التثمين المبدئي لأي خطوة تقرب البلاد من استعادة الحكم المدني، تظل هناك شكوك حقيقية في الأوساط السياسية والشعبية حول مدى استعداد القوات المسلحة للمضي قدماً نحو تحول ديمقراطي كامل، خاصة في ظل السياق العسكري الراهن وحالة غياب الضمانات الدستورية. ويخشى كثيرون أن تكون هذه الخطوة مجرد تكتيك مؤقت يفتقر إلى الإرادة السياسية المطلوبة لإحداث انتقال فعلي.
ومن هنا، فإن النصح الصادق والمخلص يقتضي القول إن مصلحة البلاد العليا تكمن في التوافق الوطني الشامل، وفي التحول الديمقراطي الحقيقي، وفي اكتفاء القوات المسلحة بدورها الدستوري بعيداً عن المسرح السياسي، على نحو يضمن استقرار الدولة ويعيد الثقة بين مكوناتها.
لقد ظل ” التيّار الوطني ” يدعو منذ تأسيسه إلى توافق وطني تأسيسي، باعتباره المخرج الوحيد من دوامة الحروب والشموليات التي أنهكت بلادنا لعقود. وهذا التوافق، في رؤيتنا، لا يمكن أن يُفرض أو يُختزل، بل يجب أن يُبنى على الإرادة الحرة للسودانيين، عبر عملية حوار سوداني–سوداني تُراعى فيها تعقيدات الواقع وتُستنهض عبرها الطاقات الوطنية الصادقة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعيين الأفراد، بل في بناء المسار، وتحديد صلاحيات الحكومة، وضمان قدرتها على العمل في بيئة سياسية حاضنة، متصالحة مع ذاتها، ومتحررة من الاستقطاب والتهميش. كما أن على جميع الفاعلين، داخل البلاد وخارجها، أن يدركوا أن لا سلام ولا استقرار يمكن أن يُفرضا من أعلى، بل لا بد من مشروع وطني جامع، يضع حداً للحرب، ويعيد تعريف العلاقة بين المركز والهامش، ويؤسس لحكم ديمقراطي مستدام.
ختاماً، لا يسعنا إلا أن نؤكد أن تعيين رئيس وزراء مدني في هذا الظرف، ورغم ما فيه من رمزية، يحتاج إلى إرادة سياسية شجاعة لتوسيعه وتطويره، وتحويله إلى لحظة تأسيس لا لحظة تجميل. وحده الحوار والتوافق الوطني الصادق كفيلان بصياغة مستقبل يليق بتضحيات شعبنا، ويقطع الطريق على إعادة إنتاج أزماتنا القديمة بأدوات جديدة.
21 مايو 2025م
