تحالف “السودان التأسيسي”: مشروع بلا أخلاق سياسية ونموذج صريح لانهيار البوصلة الوطنية
نورالدين صلاح الدين
أعلن تحالف الجنجويد المسمى بـ “السودان التأسيسي” أمس الثلاثاء عن تشكيل هيئته القيادية، واضعًا على رأسها قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في تحالف ضم قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة كالحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبدالعزيز الحلو، وجناح حزب الأمة القومي الذي يقوده فضل الله برمة ناصر.
وبينما روّج البيان لمشروع تأسيسي يستهدف تفكيك “السودان القديم” وبناء وطن جديد على أسس المساواة والعدالة، فإن ما حمله في مضمونه، وما انطوت عليه بنيته القيادية، يعكس مفارقة فاضحة بين الشعارات والممارسة السياسية.
أولاً: كيف يتحول مجرم حرب إلى زعيم تأسيسي؟
تحالف “تأسيس” يدّعي أنه يسعى لتشييد دولة جديدة تُنهي الحروب وتكرّس المواطنة المتساوية، لكنه في المقابل يُنصّب على رأسه شخصية عسكرية متهمة محليًا ودوليًا بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تمتد من دارفور إلى الخرطوم.
حميدتي، الذي تأسست قواته بمرسوم من النظام البائد، وتم تقنينها ” شكلياً ” و يا للمفارقة بواسطة برلمان الحركة الإسلامية و واجهاتها هو القائد الفعلي لمليشيا الدعم السريع، التي مارست القتل الجماعي، والاغتصاب، والنهب، والتجنيد القسري، بل شاركت بفاعلية في تقويض الانتقال الديمقراطي بعد الثورة المجيدة في 2019.
كيف يمكن لعقلٍ سياسي سويّ أن يقبل برؤية هذا الرجل كـ”رئيس لتحالف تأسيسي” دون أن يسقط في اختبار القيم والأخلاق؟ كيف يتحول الجلاد إلى مرجعية سياسية؟
ثانيًا: المشاركة المخزية لبعض الكيانات السياسية
أن تشارك كيانات و أفراد، وبتاريخها الممتد في النضال السياسي والفكري، في تحالف تتصدره ميليشيا قتلت السودانيين في بيوتهم وأسواقهم، فذلك أمر لا يُغتفر سياسيًا ولا أخلاقيًا.
هذه المجموعات التي ظلّت ترفع شعارات الحرية والعدالة والمساواة، لم تُقدّم حتى الآن ” و لا أظنها تستطيع ” أي تفسير سياسي مقنع لمشاركتها في هذا المشروع، هل هو انحياز تكتيكي؟ أم غرق في وهم “التغيير الجذري” بأي ثمن؟ أم أنه مجرد إعادة اصطفاف في وجه المؤسسة العسكرية (الجيش)، دون اعتبارٍ للثمن الأخلاقي؟!
هذه المشاركة تثير أسئلة جوهرية حول:
– فقدان الرؤية السياسية الواضحة داخل هذه المجموعات والكيانات
– الانزلاق من موقع القوة الأخلاقية إلى مستنقع التحالفات الانتهازية.
– امكانية أن تكون هذا الكيانات قد فقدت بالفعل صلتها بالمشروع الديمقراطي الذي تبشر به منذ سنواتٍ طوال.
ثالثًا: سردية “السودان القديم” وتفكيك الدولة
البيان التأسيسي لتحالف “تأسيس” يعيد تدوير خطاب قديم حول “تفكيك السودان القديم”، لكن دون تحديد أدوات واضحة غير القوة والسلاح والتحالفات المربكة، بل ويتمادى في تصعيد خطاب الإقصاء، من خلال التعميم بأن كل ما سبق يجب أن يُزال، دون مساءلة، أو تمييز، أو بناء توافقي.
وفي واقع الأمر، فإن ما يُطرَح هنا ليس سوى مشروع عنف موازٍ، يُشرعن لمليشيا أن تحكم بالسلاح لا بالصندوق، ويُدجّن قوى سياسية كنا نكن لها الاحترام لتعمل تحت عباءتها.
رابعًا: مغالطات تأسيسية لا تُبنى بها أوطان
الوثيقة التأسيسية للتحالف، وإن زعمت أنها تعالج قضايا الهوية والدين والدولة والمواطنة والعدالة، فإنها لا تتحدث عن:
– المحاسبة على الجرائم المرتكبة.
– تفكيك الميليشيا خارج إطار الدولة.
– العدالة والعدالة الانتقالية كشرط أساسي للاستقرار.
فكيف يُبنى وطنٌ جديد دون الاعتراف بالدماء التي سُفكت؟ ودون تقديم قادة المذابح إلى العدالة؟
خلاصة
إنّ ما يُقدّمه “تحالف السودان التأسيسي” ليس مشروع تأسيس، بل مشروع تباهي بالقوة والسلاح، مغلف بخطاب العلمانية و التقدمية في حين لا يسنده واقعٌ ولا أخلاق.
إنّ المشاركة في هذا التحالف يمثل سقوطًا سياسيًا وأخلاقيًا كبيرًا، لا يمكن تبريره، ويجب على قواعد الكيانات والمجموعات السياسية المشاركة فيه أن يراجعوا هذا الانحدار، وأن يناضلوا من أجل استعادة الخط الوطني الديمقراطي، لا أن يكونوا أدواتٍ ساندة للخط الميليشياوي الشعبوي.
إن السودان الجديد لا يُبنى ببقايا السيف والدم، بل يُبنى بإرادة الحقيقة، والعدالة، والمحاسبة، والديمقراطية، والسلام الحقيقي.
