Wednesday, September 9, 2026

Sudan Tribune

Plural news and views on Sudan

المائدة المستديرة أو نحو النموذج الليبي

محمد بدوي

محمد بدوي

بقلم: محمد بدوي

كشفت حرب أبريل السودانية بين الجيش والدعم السريع وحلفائهما من القوات أن إغفال نظام الحكم الفيدرالي في إدارة دولة ما بعد الاستقلال، مهد الطريق لغياب دستور دائم للبلاد يعزز من حصانة الحكم الراشد، ويقصي شهوة الانقلابات العسكرية بترسيخ مفهوم مهنية المؤسسات العسكرية وقوميتها، الأمر الذي يفضي إلى خلق مسافة طبيعية تفصل بين المؤسسة العسكرية والانتماء السياسي كمعادلة ظلت تحفز قطع الطريق على الفترات الديمقراطية.

إن غياب اتساق نظام إدارة الدولة بما يتواءم وطبيعة التكوين التاريخي والاجتماعي لدولة ما بعد الاستقلال، والسيولة الدستورية، وقفزات المؤسسة العسكرية نحو السلطة، هي عوامل قد تراكمت لتؤدي إلى تراجع فكرة الدولة في الواقع العملي كانعكاس لتآكل فكرة المواطنة في أذهان السودانيين والسودانيات.

جاء الأثر الأكبر من سياسات النظام السابق “الحركة الإسلامية السودانية”، ولا سيما أن طبيعة بنية التنظيم التي حملت تناقضات داخلية ظهرت في مفاصلة العام ١٩٩٩، فضلاً عن الأثر السلبي لقطع الطريق على الفترة الديمقراطية الثالثة في فترة حساسة ظلت تشهد تطور مد الحقوق الفردية وحقوق الإنسان. حيث تمثل ذاك الثقل في تطابق فكرة التنظيم والدولة لدى الإسلاميين كنتيجة لظاهرة التمكين بأذرعه المختلفة. ولعل من أبرز نتائج ذلك هو انفصال واستقلال دولة جنوب السودان في ٢٠١١، لأن منظار التمكين، بآفاقه المحدودة، أعجز من أن يحيط بفكرة الدولة وعناصرها وما يلتصق بها من سيادة. من ناحية ثانية، لعل تلك الحالة تكشف أسباب ارتقاء خطاب الكراهية بشكل مزعج خلال حرب أبريل ٢٠٢٣، فالتمكين يقابله إلغاء الآخر، والسلطة المطلقة، وانعدام المساحة الفاصلة بين دولاب الدولة والتنظيم، والملكية المطلقة للموارد العامة، وربط بقاء الدولة وسيادتها بالبقاء في السلطة وفقاً لشروط الإسلام السياسي.

بقاء التنظيمات العقائدية بالسلطة لفترات طويلة، يبرز صراعات السلطة داخلها، وهو ما حدث داخل الحركة الإسلامية السودانية وأذرعها السياسية، ولا سيما المؤتمر الوطني باعتباره الجسم الذي انفرد بالحكم عقب ١٩٩٩.

نهج التنظيم في حسم المطالب السياسية والتنموية ومواجهتها بالقوة العسكرية، كما أعاد تطوير فكرة القوات الرديفة لأغراض الردع العسكري للمطالب المشروعة، لكن لم يتحسب التنظيم إلى دخول تلك القوات الرديفة (المليشيات) إلى معادلة الصراع، ولا سيما منذ العام ٢٠١٣ حين بدأ الصراع يتجه نحو ثني الرئيس السابق البشير عن الترشح للانتخابات العمومية في ٢٠١٥. كان سياق التحالفات حينها قد بلغ مرحلة إدراج الموارد في العلاقة بين المؤتمر الوطني وقوات الدعم السريع في ذات العام.

مضى عام، وفي ٢٠١٤ كانت عائدات الذهب المصدر من دارفور لصالح القوات الرديفة قد بلغت ٥٤ مليون دولار في أسواق دبي وحدها. قبل انطلاق الانتخابات العامة في ٢٠١٥ بأشهر وفي خضم استقطاب التحالفات داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، دُفِع بقوات الدعم السريع نحو خطوة ثانية فتحت له منفذاً للعلاقات الخارجية والموارد عبر القتال في اليمن، حيث كانت فترة الانتداب للقتال هي ستة أشهر لكل عشرة آلاف مقاتل، من المفترض أن يتقاضى فيها الفرد مبلغ ثلاثين ألف دولار أمريكي، تقل بنسب بين ٦٪ للضباط و٨٪ للجنود بعد بعض الخصومات.

في ٢٠١٧، وعقب حادثة مدير مكاتب رئيس الجمهورية الفريق طه الحسين الذي سيذكره التاريخ رجلاً جمع في غفلة من الإسلاميين وانشغالهم بصراعاتهم أرفعَ مناصب بالدولة وهي: “مدير مكاتب رئيس الجمهورية”، بمعنى أنه مخزن أسرار الدولة السياسية، وفريق بجهاز الأمن بما يجعله ملماً بكل المعلومات الأمنية الداخلية والخارجية، وسفير بوزارة الخارجية حيث ملفات العلاقات مع الدول. حاول البشير تجريد الدعم السريع من سلاحه عبر حملة جمع السلاح، إلا أن المنشور الذي حوى الدعم السريع ضمن القوات المستهدفة أُلغي واستُعيض عنه بمنشور آخر تحول فيه وضع الدعم السريع من مستهدف بجمع السلاح إلى إحدى القوات المكلفة بجمع السلاح، في محاولة لتأجيل المواجهة. وهنا تنبه الدعم السريع وبدأ بتشييد قاعدة “الزرق” في شمال دارفور، التي خزن فيها أول مجموعة من الدبابات التابعة للجيش والتي تم تحريكها من الخرطوم إلى دارفور أثناء الحملة، وهي ذات الدبابات التي حركها الدعم السريع للخرطوم عقب بدء التوترات بينه والجيش في مطار مروي في ١١ أبريل ٢٠٢٣.

في ظل هذا الواقع ومع اندلاع حرب أبريل ٢٠٢٣، ظهر الطرفان الرئيسيان للحرب في استعداد إعلامي للحرب. الخطة الأولى للمراقب يكتشف أنها وُجّهت للمدنيين بشقيهم: الديسمبريون أو قوام الشارع المسنود بتطلعات ثورة ديسمبر ٢٠١٨، والسياسيون المساندون للتغيير السياسي من قوام الأحزاب المعارضة بما يشمل تحالف الحرية والتغيير. وعُزز الاستهداف الإعلامي بالقمع الأمني لاشتراكهما في المناداة بوقف الحرب. الخطاب الثاني خُصص للإعلاميين المستقلين بالاستهداف والتخوين. فيما ظل خطاب “من أطلق الرصاصة الأولى؟” سؤالاً قُصد به حجب وإقصاء خطاب وقف الحرب، والاستدراج المعلن نحو عزل المدنيين بفئاتهم المختلفة عن الوقوف في منصتهم الطبيعية كطرف أصيل في الحالة له الحق في التدخل، سواء بمطالبة أطراف الحرب بوقف القتال أو بمخاطبة المجتمع الدولي الذي بدأ بالتدخل عبر منبر جدة حينها.

تقلص المساحات الآمنة، والقمع الممنهج لفئات المدنيين من لجان مقاومة، وأحزاب، ونقابات، ومهنيين إلى آخرهم، جعل من خطاب ومساحة أطراف الحرب على وسائل الإعلام المختلفة يتسع انتشاره. فيما عادت تحالفات أطراف اتفاق سلام السودان ٢٠٢٠ “اتفاق جوبا” تشهد تطوراً في مبدأ “من ليس معنا فهو ضدنا”، فتقسمت المسارات بين الأطراف. الأمر الذي تعمق بإقالة رئيس المجلس السيادي والقائد العام للقوات الفريق أول عبدالفتاح البرهان لبعض أعضاء المجلس السيادي والولاة من مناصبهم، ليسهل حسم موقفهم بالانضمام لاحقاً إلى تحالف نيروبي الذي يترأسه قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو. استناد الجيش على ردود الأفعال السياسية، مثل لقاء “تقدم” وقائد الدعم السريع بأديس أبابا وشن حملة تخوين وبلاغات جنائية في مواجهة قادة تحالف الحرية والتغيير، مهد للدافع ذاته لدى بعض أعضاء التحالف للانضمام إلى تحالف نيروبي أيضاً، فيما بقي آخرون في تحالف صمود لم يشملهم ذات العداء من قبل قادة الجيش. الأمر الذي يجعل التحليل يصل إلى أن جهود الجيش في عزل الدعم السريع نتج عنها تمهيد المسار لكسبه تحالف نيروبي الذي يمثل خطوة سياسية في تعقيد الأزمة ودفعها نحو النموذج الليبي.

لعل النموذج الليبي، الذي يمثل دولة جغرافياً موحدة لكنها بسلطتين، هو نتاج لانسداد أفق الحل الوطني، ومسايرة المجتمع الدولي للحالة لخلق سيطرة أمنية، نظراً لانعكاس الحالة على استقرار شمال إفريقيا والساحل. ويمثل عنصر الموارد عاملاً حاسماً في خلق ذلك النموذج؛ فمنذ ٢٠١٤ بدأت ظاهرة استبدال النفط الليبي بسيارات مستخدمة تخلصت منها دول أخرى، لتجد سوقاً رائجة في السودان وبعض دول غرب إفريقيا. إضافة إلى اقتصاد المليشيات التي نشط في تكوينها قادة العشائر، بالإضافة إلى القوات الأجنبية المقاتلة. بالنظر إلى كل تلك العناصر، نجدها في الواقع السوداني متطابقة تماماً، بل سيكون هنالك ارتباط في تكامل يضمن استمرار كلا النموذجين الليبي والسوداني الذي يمضي في طور التشكل المشابه، بعامل الحدود السودانية المفتوحة ولا سيما عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر كأهم منفذ للإمداد الاستراتيجي.

عطفاً على خطاب الكراهية وأثره، فإنه يعمل على سلب التنوع السكاني قيمته وقوته الإضافية والدفع به نحو تحميله فشل الرغبة السياسية في إدارة البلاد. هذا دون النظر إلى التحولات التي حدثت خلال الحرب والحروب السابقة في علاقات الإنتاج. فالكثير من المجتمعات منذ نوفمبر ١٩٨٩، بداية تكوين الدفاع الشعبي، مضت نحو تحولات عن علاقات إنتاجها الرئيسية سواء الزراعة أو الرعي إلى أنشطة أخرى أوسعها الانخراط في القوات الرديفة والحركات المسلحة، وصولاً إلى التحولات الجوهرية التي شهدتها حرب أبريل ٢٠٢٣ والمتمثلة في الانخراط في الانتهاكات للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مما ينتج عنه تكوين ثروات غير مشروعة، لن يخرج استثمارها عن دائرة الأنشطة غير المشروعة مثل تصنيع وتهريب المخدرات والتعامل فيها، والاتجار بالبشر، والتهريب عبر الحدود (الجرائم العابرة للحدود) بما تشمل الأسلحة والأموال والقيم المنقولة.

إن سحب الشرعية من أطراف الحرب لن يأتي إلا بتنسيق صوت المدنيين السودانيين الراغبين في التغيير، وذلك للنهوض في وجه خطاب الكراهية الذي يمثل محركاً لاستمرار الحرب. إن تعرية خطاب الكراهية يقطع نصف الطريق على روافع استمرار الحرب، فهذه الحرب ليست للكرامة، وليست لاستعادة الديمقراطية، وليست من أجل الإنسان السوداني، إنها أعلى مرحلة في تطور الصراعات السودانية. الدعوة إلى مؤتمر مائدة مستديرة من القوى السياسية (باستثناء المؤتمر الوطني بالضرورة) والنسوية والنقابية والشبابية، والحركات المسلحة التي لم تنخرط في القتال لتوحيد المركز الوطني، والإدارات الأهلية التي حافظت على استقلاليتها، للخروج برؤى حول قضايا الحرب والسلام -وعلى رأس أجندتها وقف الحرب- ونظام الحكم الفيدرالي كنموذج يمكنه هزيمة تقسيم السلطة داخل الدولة بين أطراف الحرب، وقضايا العدالة والاقتصاد والخدمات وغيرها، ووضعها كميثاق أمام الشعب السوداني، والشعوب المحبة للسودان واستقراره لدعمه، والمجتمعين الإقليمي والدولي، قد يفتح الأفق نحو مخرج وطني يقي الوطن كيد البارود، والإسلاميين، والمليشيات.