Wednesday, August 26, 2026

Sudan Tribune

Plural news and views on Sudan

وقف الحرب واستعادة المسار المدني … ماذا نريد من العالم… وماذا يريد العالم منا؟

عبده الحاج

عبده الحاج

في مقال نشرته في 11 يوليو 2026 بعنوان (ما بين اعتصام القيادة ومجلس الأمن… كيف خسر السودان صورته التي ألهمت العالم؟)، حاولت قراءة التغير الذي طرأ على الخطاب الدولي تجاه السودان، خاصة تراجع التحول المدني الديمقراطي في ترتيب الأولويات. فالتحول المدني ظل حاضراً حتى في الفترة الأولى من الحرب، إلى جانب وقف القتال وحماية المدنيين وتوصيل المساعدات الإنسانية، ثم تقدم مع استمرار الحرب واتساع آثارها الحديث عن وقفها، وعن الكارثة الإنسانية وخطر انهيار الدولة، بينما تراجع الحديث عن التحول المدني الديمقراطي الذي كان في صدارة الاهتمام بعد ثورة ديسمبر.

وحاول ذلك المقال أن ينظر إلى نصيبنا نحن من أسباب هذا التغير، لأن هذا هو الجزء الذي نستطيع أن نفعل فيه شيئاً. فعندما كان السودانيون أكثر وحدة حول مشروع الثورة، وكانت هناك قوة مدنية واسعة وصوت يمكن التعرف عليه والتعامل معه، وجد ذلك المشروع دعماً دولياً واسعاً. ثم بدأت الخلافات والانقسامات، وضعفت معها قدرة القوى المدنية على حماية مشروعها وعلى تقديم نفسها للعالم كبديل مدني واسع وقادر على إدارة الدولة.

وانتهى المقال إلى أن مواجهة هذا التحول لا تكون باستهلاك الجهد في مطالبة المجتمع الدولي بالعودة إلى سياق تجاوزه الزمن، وإنما بـ(إعادة إنتاج الأسباب التي فرضت احترام قضيتنا سابقاً)، وأن (ترتيب بيتنا الداخلي هو أول الطريق، وهو السبيل الوحيد لتغيير رؤية العالم للسودان.)

خلال الأيام الماضية حدث ما يعيد هذه الفكرة إلى الواجهة بصورة عملية. ففي أديس أبابا اجتمعت، يومي 22 و23 أغسطس، قوى مناهضة للحرب وغير مصطفة مع طرفيها، شملت قوى إعلان المبادئ السوداني، وحزب المؤتمر الشعبي، وحزب الأمة، وعدداً من منظمات المجتمع المدني والشبكات النسوية والشبابية، إلى جانب شخصيات عامة من المفكرين والأكاديميين والأدباء والمثقفين. وخرج الاجتماع بوثيقة (الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب – عملية السلام التي نريد).  وفي اليوم التالي، 24 أغسطس، عاد السودان إلى مجلس الأمن في جلسة جديدة، والحرب قد تجاوزت عامها الثالث دون أن تحقق حلاً، بينما يزداد خطرها على حياة الناس وعلى بقاء السودان موحداً.

الحدثان متقاربان في الزمن، وبينهما ما يستحق النظر. في الخارج هناك مجتمع دولي يبحث عن كيفية التعامل مع حرب طالت واتسعت آثارها، وفي الداخل بدأت مجموعة من القوى السودانية المناهضة لها تتحرك نحو موقف مشترك حول كيفية وقفها وما ينبغي أن يأتي بعدها. ونجاح المسارين مرتبط، بدرجة كبيرة، بقدرة السودانيين على القيام بالجزء الذي لا يستطيع العالم القيام به نيابة عنهم.

فالمجتمع الدولي لم يكن في يوم من الأيام رافضاً لمساعدة السودانيين. اختلفت مصالح الدول ومواقفها، واختلفت رؤيتها لما يجري، وتغيرت أولوياتها مع تغير الواقع، لكن الاستعداد للمساعدة ظل موجوداً بدرجات وأشكال مختلفة. وكانت ثورة ديسمبر من أوضح الأمثلة على ذلك. فعندما رأى العالم شعباً موحداً حول غاية واضحة، وقوة مدنية واسعة تحمل مشروعاً يجد قبولاً شعبياً، جاء الدعم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي من جهات كثيرة، والتف العالم حول تجربة كان السودانيون أنفسهم قد صنعوها أولاً في الداخل.

وهذه نقطة ينبغي ألا تضيع وسط حديثنا المتكرر عن المجتمع الدولي وماذا فعل وماذا لم يفعل. العالم يستطيع أن يساعد في وقف الحرب، وفي إيصال المساعدات، والضغط على أطرافها وعلى من يمدونهم بالسلاح والمال، والمساعدة في قيام منبر تفاوضي جاد. لكنه لا يستطيع أن يوحد السودانيين، ولا أن يضع لهم مشروعهم الوطني، ولا أن يصنع لهم قوة مدنية قادرة على حمل هذا المشروع. هذا الجزء يخصنا نحن.

ولهذا تمثل وثيقة أديس أبابا خطوة كبيرة ومهمة. فقد تجاوز المجتمعون مجرد إعلان رفض الحرب، وقدموا تصوراً لما أسموه (عملية السلام التي نريد).  جمعوا فيه بين وقف الحرب، ومعالجة الكارثة الإنسانية، والمسار السياسي، وربطوا ذلك بالحفاظ على وحدة السودان واستعادة قيم وأهداف ثورة ديسمبر. وتحدثوا عن بناء جيش وطني موحد ومهني، وتفكيك تمكين النظام السابق، والعدالة، والدستور الانتقالي، وآلية اختيار السلطة المدنية الانتقالية. كما جعلوا المسار السياسي شأناً مدنياً، وحددوا دور القوات المسلحة والدعم السريع أساساً في المسارين الإنساني ووقف إطلاق النار.

وهذا الربط بين وقف الحرب وما يأتي بعدها مهم جداً. فنحن لا نريد أن تتوقف الحرب اليوم ثم نعود إلى الظروف التي قادت إلى الانقلاب والحرب، ولا أن يتوقف إطلاق النار وتظل القوة المسلحة هي التي تحدد من يحكم السودان. كما لا معنى لأن يدفع السودانيون كل هذا الثمن ثم تكون النتيجة عودة النظام الذي أسقطوه في ديسمبر، ومعه الأدوات والأوضاع التي أعادت البلاد إلى الحرب. المطلوب سلام يوقف الموت والخراب الآن، ويفتح في الوقت نفسه الطريق لاستعادة المسار المدني الديمقراطي، ويعالج أسباب الحرب حتى لا نوقف حرباً ونبدأ في صناعة الحرب التالية.

ووثيقة أديس، مع كل هذه الإيجابيات، تظل خطوة في هذا الطريق. القوى التي اجتمعت تمثل قطاعاً مهماً من القوى المناهضة للحرب، لكنها لا تضم حتى الآن كل القوى المدنية التي يمكن أن تجتمع حول هذه الغايات. وما تحقق في يومي 22 و23 أغسطس يمكن أن يصبح بداية لشيء أكبر بكثير إذا اتسعت دائرته، وشارك الآخرون في تطويره وإكمال ما ينقصه، وتحول الموقف المشترك إلى عمل مشترك واسع يستطيع أن يؤثر في مجرى الأحداث.

ومن حق أي قوة خارج هذا المسار أن تختلف مع ما جاء في وثيقة أديس، وأن تنتقد بعض بنودها، وأن ترى فيها نقصاً أو حاجة إلى تعديل. بل إن هذا مطلوب إذا كان سيجعل الرؤية أوسع وأفضل وأكثر قدرة على جمع السودانيين. لكن الاختلاف شيء، وتحويل كل اختلاف إلى جسم جديد واصطفاف جديد شيء آخر، وقد دفعنا ثمن هذه الطريقة في العمل بما يكفي.

ليس المطلوب من القوى الموجودة خارج هذا المسار أن تلغي نفسها، أو أن تقبل الوثيقة كما هي، أو أن تسلم بقيادة من اجتمعوا في أديس. المطلوب أن تدخل بما عندها من أفكار وملاحظات، وأن تعمل مع الآخرين على تحسين ما بدأ. فإذا كان هناك نقص في التمثيل، فليتسع التمثيل. وإذا كانت هناك قضية غابت عن الوثيقة، فلتضف إليها. وإذا كانت بعض الحلول المطروحة غير مناسبة، فلتقدم حلولاً أفضل. أما إذا كانت الغايات الأساسية مقبولة، فلا معنى لأن نعيد كتابة الغايات نفسها في وثيقة أخرى، ثم ننشئ حولها جسماً آخر ونضيف إلى انقساماتنا انقساماً جديداً.

وقد أصبحت هذه واحدة من مشكلات العمل السياسي السوداني التي يصعب تجاهلها. نختلف مع جسم قائم، فننشئ جسماً موازياً، ثم يقع خلاف داخل الجسم الجديد فيخرج منه جسم ثالث. وبعد فترة نجد عدداً من الكتل التي تقول، في جوهر الأمر، كلاماً متشابهاً جداً، بينما يدور خلافها الأكبر حول من يقود ومن يمثل ومن يجلس مع من. ومع كل انقسام تضعف قدرة الجميع، وتصبح المسافة بين القوى المدنية وبين المواطن الذي تتحدث باسمه أكبر.

العمل الوطني لا تزداد قيمته لأننا نحن الذين بدأناه، ولا تقل قيمته لأن غيرنا سبقنا إليه. قيمته في الغاية التي يسعى إليها وفي قدرته على تحقيقها. فإذا كانت الغاية صحيحة، فالواجب أن نساعد على الوصول إليها وأن نصلح ما نراه خطأ في الطريق. وإذا كانت لدى قوة أخرى رؤية مختلفة فعلاً وأفضل مما طرح في أديس، فلتقدمها للجميع، وليلتف حولها الآخرون إذا ثبت أنها الأفضل. البديل الحقيقي هو البديل الأفضل في المضمون، وليس جسماً موازياً يرفع الشعارات نفسها بأسماء مختلفة أو بتغييرات طفيفة.

ولا يقتصر الأمر على القوى التي بقيت خارج هذا العمل. هناك قوى مدنية اختارت الاصطفاف مع أحد طرفي الحرب، وهذه أيضاً تحتاج إلى مراجعة موقفها. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، لم يقدم أي من طرفي الحرب حلاً للسودان، وكل يوم تستمر فيه الحرب يضيف قتلاً وخراباً ونزوحاً، ويعمق الانقسام ويزيد خطر تفكك البلاد.

والقوى المدنية حين تنقسم بين طرفي الحرب لا تساعد على إنهائها، وإنما تضيف إلى الانقسام العسكري انقساماً سياسياً ومدنياً يوفر لكل طرف من يشجعه على مواصلة القتال وانتظار انتصاره. وإذا كنا نريد من المجتمع الدولي أن يرى في السودانيين بديلاً للحرب، فمن المهم أن يرى أمامه كتلة مدنية واسعة تقف خارج طرفيها، لا كتلاً مدنية موزعة بينهما.

وقد يكون بعض من اصطفوا مع أحد الطرفين قد فعلوا ذلك لأنه يراه أقرب إلى أهدافه، أو يعتقد أن انتصاره العسكري قد يفتح الطريق أمام مشروع مدني بعد الحرب. لكن إذا كان الهدف هو تقوية المشروع المدني، فالأولى أن نقوي القوى المدنية نفسها بدلاً من إضعافها ثم الذهاب إلى قوة مسلحة لأنها تبدو أقرب إليها. ثورة ديسمبر لم تختر السلاح طريقاً إلى السلطة. كانت (سلمية سلمية) و(حرية، سلام وعدالة) من شعاراتها الأساسية. والعودة إلى الخيار المدني المناهض للحرب ليست بدعة، وإنما عودة إلى الطريق الذي بدأت منه الثورة نفسها.

وهذا لا يعني الوقوف على مسافة أخلاقية واحدة من كل ما يرتكبه طرفا الحرب، ولا التخلي عن حق تسمية الانتهاكات وتحميل المسؤولية عنها. الحياد عن الحرب لا يعني الحياد عن الحق والباطل، لكنه يعني ألا يصبح اختلافنا في تقييم الطرفين سبباً لاختيار أحد الجيشين وسيلة لتحقيق المشروع المدني.

والعودة من الاصطفاف ليست هزيمة سياسية. لا يحتاج أحد إلى أن يتخلى عن كل مواقفه السابقة حتى يجد مكاناً في العمل المدني المشترك. يكفي الاتفاق على أن هذه الحرب لا تحمل حلاً عسكرياً للسودان، وأن مستقبله لا ينبغي أن يقرره المنتصر في ميدان القتال، وأن الطريق هو بناء قوة مدنية مستقلة عن طرفي الحرب تعمل لإنهائها واستعادة المسار المدني الديمقراطي.

وفي المقابل، تقع على أصحاب مبادرة أديس مسؤولية ألا يتعاملوا مع ما أنجزوه باعتباره جسماً اكتمل وأصبح المطلوب من الآخرين الالتحاق به. ما تم ينبغي أن يكون بداية لعملية أوسع، تدخل إليها القوى الأخرى شريكة في تطويرها وصناعة قراراتها، لا مجرد أسماء تضاف إلى قائمة الموقعين. فالغاية ليست تكبير جسم سياسي قائم، وإنما بناء أوسع جبهة سودانية ممكنة حول وقف الحرب، وحماية المدنيين، والحفاظ على وحدة السودان، ومنع عودة النظام السابق، واستعادة المسار المدني الديمقراطي.

وإذا تحقق قدر معقول من ذلك، تصبح مخاطبة المجتمع الدولي مختلفة أيضاً. لن نذهب إليه جماعات متفرقة، كل واحدة تحمل روايتها ومطالبها، وإنما بمشروع سوداني واضح، ونطلب منه أن يساعد في توفير الظروف التي تمكن السودانيين من تنفيذه.

وقد قدمت جلسة مجلس الأمن في 24 أغسطس مثالاً قريباً على أهمية هذا العمل. فقد قدم مندوب حكومة بورتسودان، السفير الحارث إدريس، رواية لأحداث 25 أكتوبر 2021 قال فيها إن القوات المسلحة لم تصل إلى السلطة عن طريق انقلاب، وإن الحكومة المدنية استقالت طواعية، فكان لا بد من ملء الفراغ. وتصدى الأستاذ عمر الدقير لهذه الرواية في مقال عاد فيه إلى بيان البرهان نفسه يوم 25 أكتوبر، وما تضمنه من إعلان حالة الطوارئ وحل مجلس السيادة ومجلس الوزراء وتعليق مواد من الوثيقة الدستورية، إلى جانب الاعتقالات التي صاحبت تلك الإجراءات.

وفي اتجاه آخر، رأى الأستاذ ياسر عرمان في مقال آخر أن ما طرح في جلسة مجلس الأمن لا يزال دون المطلوب لوقف الحرب، وأن الإجراءات الجزئية قد تنتهي إلى إدارتها بدلاً من إنهائها. وذكّر بإعلان مبادئ الرباعية الصادر في 12 سبتمبر 2025 وما تضمنه من هدنة إنسانية وعملية انتقالية تقود إلى حكومة مدنية، ودعا القوى الديمقراطية إلى تحرك يبدأ بإفريقيا ودول الجوار، وإلى الدفع نحو اجتماع مشترك بين مجلس السلم والأمن الإفريقي ومجلس الأمن الدولي حول رؤية أشمل لإنهاء الحرب.

ويمكن أن نقرأ المقالين كامتداد في المجال العام للعمل الذي بدأ في نيروبي؛ الأول يتصدى للرواية التي تقدمها حكومة بورتسودان، والثاني يدعو إلى رفع سقف الاستجابة الدولية من إجراءات جزئية إلى معالجة أشمل للحرب. وهذان جهدان مهمان، لكنهما يعيداننا أيضاً إلى ما يلينا نحن. تصحيح الرواية الرسمية مهم، ونقد قصور المجتمع الدولي مهم، والأهم أن نبني القدرة التي تجعل الصوت المدني حاضراً بقوة واستمرار، وتستطيع الدفع نحو الحل الأشمل الذي نطالب العالم بتبنيه.

فمندوب حكومة بورتسودان لا يتحرك وحده. وراءه دولة ووزارة خارجية وبعثات دبلوماسية وموارد تعمل باستمرار لإيصال روايتها إلى العالم. وفي المقابل بذلت القوى المدنية والسودانيون في الخارج جهوداً كبيرة في ظروف صعبة، ولا تزال هذه الجهود تحتاج إلى مزيد من التنظيم والتنسيق حتى لا يصبح ممثلو حكومة بورتسودان الصوت السوداني الوحيد في بعض المنابر، أو الصوت الأعلى فيها.

لا يكفي أن ننتظر حتى تقال رواية نعتقد أنها غير صحيحة في مجلس الأمن ثم نفندها في اليوم التالي. الأفضل أن تكون الرواية المدنية موجودة قبل الجلسة وأثناءها وبعدها، وأن تصل إلى الدول الأعضاء والحكومات والإعلام ومراكز التأثير بصورة منظمة ومستمرة. نقد ما يقوله ممثل حكومة بورتسودان لا يغني عن بناء الصوت القادر على مواجهته، ونقد ما لا يفعله مجلس الأمن لا يغني عن بناء القوة القادرة على دفعه إلى فعل المزيد.

وهذا جانب نحتاج فيه إلى أن نبدأ بنقد أنفسنا، لا لتقليل قيمة ما بُذل، ولا لإعفاء الآخرين من مسؤولياتهم، وإنما لأن مواضع تقصيرنا هي الجزء الذي نستطيع إصلاحه. وإذا كان الطرف الآخر يتحرك في كل الاتجاهات ويستخدم ما لديه من مؤسسات وإمكانات لإيصال صوته، فعلينا أن نجمع ما لدينا نحن أيضاً ونحسن استخدامه.

وتحتاج الجبهة المدنية لذلك إلى عمل دبلوماسي منظم ومستمر، لا يقتصر على الولايات المتحدة وأوروبا وبعض دول الخليج، فروسيا والصين ليستا على هامش الملف السوداني. كلتاهما عضو دائم في مجلس الأمن، ولكل منهما مصالح وعلاقات مع السودان، ومواقفهما تؤثر مباشرة في حدود ما يستطيع المجلس القيام به. وحكومة بورتسودان تدرك ذلك، وتعمل مع موسكو وبكين، وفي الوقت نفسه تتحرك نحو واشنطن وأوروبا والعواصم العربية والإفريقية. فالسياسة الخارجية لا تدار فقط مع من نتوقع اتفاقه معنا.

ولا فائدة في ترك روسيا والصين لسردية واحدة عن السودان ثم الاعتراض على مواقفهما في مجلس الأمن. ينبغي أن تصل إليهما أيضاً رؤية القوى المدنية، وأن تعرفا ماذا يمكن أن يكون شكل علاقتهما بالسودان في ظل دولة مدنية ديمقراطية، وأن مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية المشروعة يمكن أن تجد حماية أكثر استقراراً في دولة المؤسسات والقانون من ارتباطها بالأشخاص والسلطات المؤقتة.

ويمكن البناء كذلك على اقتراح التحرك عبر إفريقيا ومجلس السلم والأمن الإفريقي. فإفريقيا ليست مجرد محطة في الطريق إلى مجلس الأمن، وإنما هي المجال الإقليمي الأقرب للسودان والأكثر تأثراً بحربه. والعمل من أجل موقف إفريقي قوي يمكن أن يساعد في توسيع المساحة المشتركة مع روسيا والصين وغيرها من الدول التي قد تتعامل بصورة مختلفة مع مبادرة تحمل وزناً إفريقياً واسعاً.

ولا يحتاج كل هذا إلى أن تقوم به قيادة سياسية صغيرة تجوب عواصم العالم، فلدى السودانيين مورد كبير لم نستفد منه بعد بالقدر الكافي: السودانيون المنتشرون في أنحاء العالم، فالدبلوماسية المدنية يمكن أن تسندها دبلوماسية شعبية واسعة. في الولايات المتحدة، مثلاً، هناك سودانيون وسودانيون أمريكيون هم مواطنون وناخبون يستطيعون مخاطبة ممثليهم في مجلسي النواب والشيوخ، والوصول إلى الإعلام والجامعات ومراكز الدراسات ومنظمات المجتمع المدني. والأمر نفسه متاح، بصور مختلفة، في أوروبا وكندا وأستراليا وإفريقيا والدول العربية وغيرها.

وهؤلاء لا يحتاجون إلى أن يصبحوا أعضاء في تنظيم سياسي جديد. يحتاجون إلى رؤية واضحة، ومعلومات موثوقة، ورسالة مشتركة، ومساحات منظمة للعمل. وعندما يصل وفد مدني إلى واشنطن أو لندن أو بروكسل أو أديس، يمكن أن يجد شبكة محلية سبقت وصوله وبنت العلاقات ومهدت للقاءاته، ثم تواصل العمل بعد مغادرته. وبذلك لا تبدأ قضيتنا من الصفر مع كل زيارة، ولا تنتهي بمغادرة الوفد.

وحين يتضح المشروع في الداخل ويتسع حاملوه، يصبح ممكناً أن نطلب من العالم أشياء محددة: الضغط الجاد من أجل وقف الحرب، ووقف تدفق السلاح والمال الذي يطيلها، وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، وتوحيد جهود الوساطة، وعدم مكافأة من يستخدم السلاح بمكاسب سياسية، ودعم عملية سلام تربط وقف الحرب بما يأتي بعدها، ولا تحول الأمر الواقع الذي صنعته الحرب إلى أساس لمستقبل السودان.

والمطلوب ليس أن يختار العالم حاكماً للسودان أو أن يصنع العملية السياسية نيابة عن السودانيين. المطلوب أن يساعدهم على وقف الحرب، وعلى حماية المساحة التي يستطيعون داخلها استعادة السياسة من السلاح وبناء دولتهم بأنفسهم.

ما خرج من اجتماع أديس أبابا لا يزال بداية، لكنه بداية تستحق أن يبنى عليها. فقد استطاعت قوى جاءت من مواقع وخلفيات مختلفة أن تتفق على وقف الحرب وحماية المدنيين، وأن تربط السلام بمعالجة أسباب الحرب وبالتحول المدني الديمقراطي. وهذه مساحة اتفاق مهمة بعد سنوات أصبح فيها الاتفاق بين القوى المدنية أصعب من الاختلاف.

نجاح هذه الخطوة لن يكون في أن تتحول إلى جسم جديد يضاف إلى قائمة الأجسام السودانية، وإنما في أن تتسع حتى يصبح ما بدأته مجموعة من القوى مساحة أوسع لكل من يتفق مع غاياته. يدخل إليها من لديه إضافة فيضيفها، ومن لديه اعتراض يناقشه، ومن لديه مقترح أفضل يقدمه، ويكون المعيار هو المضمون ومصلحة السودان، لا من بدأ المبادرة ولا لمن ينسب نجاحها.

والدعوة نفسها تمتد إلى القوى المدنية التي اصطفّت مع طرفي الحرب. إذا كانت الغاية مدنية، فالأولى أن نقوي القوة المدنية نفسها. وإذا كنا نريد الحرية والسلام والعدالة، فالطريق إليها هو جمع أصحاب هذه الغايات، لا توزيعهم بين البنادق التي تتقاتل حول السلطة.

قد تكون أمامنا الآن فرصة لاستعادة شيء مما فقدناه. لن نعيد صورة اعتصام القيادة كما كانت؛ فالزمن تغير، والسودان تغير، والحرب صنعت واقعاً جديداً. لكننا نستطيع أن نستعيد ما أعطى تلك الصورة قوتها: شعباً يعرف ماذا يريد، وكتلة مدنية واسعة تستطيع أن تختلف داخلها دون أن تتفتت، ومشروعاً واضحاً يربط وقف الحرب بما يأتي بعدها.

في المقال السابق انتهينا إلى أن (ترتيب بيتنا الداخلي هو أول الطريق)، وإلى حاجتنا لـ(إعادة إنتاج الأسباب التي فرضت احترام قضيتنا سابقاً). وما بدأ في أديس يمكن أن يكون خطوة في استعادة هذه الأسباب، إذا اتسع ولم ينغلق على نفسه، وإذا شاركت فيه القوى التي لا تزال خارجه، وراجع المصطفون مع طرفي الحرب مواقفهم، وتحولت طاقات السودانيين في الداخل والمهجر إلى عمل منظم، واستطعنا أن نقدم للعالم صوتاً مدنياً أوسع وأقوى وأكثر تماسكاً.

العالم يستطيع أن يساعد، وربما يستطيع أن يقدم أكثر مما يقدم الآن. أما القوة التي تجعل هذه المساعدة ممكنة ومفيدة، فعلينا نحن أن نبنيها.

26 أغسطس 2026