ملاسنات حادة بين ممثلي السودان والإمارات وتشاد في الأمم المتحدة
نيويورك 28 سبتمبر 2026- تحول مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك الاثنين إلى ساحة مساجلات وملاسنات حادة بين ممثلي السودان والإمارات وتشاد، إثر تبادل غير مسبوق للاتهامات الصريحة بالتورط فيما يشهده السودان من أوضاع متأزمة.
واستخدم مندوبو الدول الثلاث حق الرد على ما تضمنته البيانات الرسمية التي ألقيت أمام الجمعية العامة في دورتها رقم (81)، حيث رد مندوب السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس على خطاب المندوب الإماراتي الذي تحدث عن الأزمة الإنسانية في السودان، وقال فيه إن بلاده تشدد على ضرورة إنهاء الكارثة الإنسانية والتوصل إلى وقف لإطلاق النار دون شروط، مع إطلاق عملية سياسية تؤدي إلى تشكيل حكومة مدنية مستقلة عن طرفي النزاع ومن أسماهم بالجماعات المتطرفة.
وأضاف: “على المجتمع الدولي الضغط على قيادات سلطة بورتسودان وقوات الدعم السريع للانخراط الجاد في المبادرات الدولية”.
واعترض الحارث إدريس بشدة على وصف المندوب الإماراتي للسلطة القائمة بـ “حكومة بورتسودان”، قائلاً إنه تصنيف لا يليق بهذا المحفل الدولي الذي ينص ميثاقه على المساواة بين الأعضاء.
وتابع أن بإمكانهم وصف الإمارات بـ”نظام أبو ظبي” أو بما هو أسوأ، واستخدام أوصاف مهينة والقول إن النظام ملك لعائلة، “لكننا في النهاية نتصرف وفق أخلاقنا وقيمنا”، مردفًا: “وكل إناء بما فيه ينضح”.- وفق تعبيره.
وأوضح إدريس أن الكارثة الإنسانية المتفاقمة في السودان والتي أشار إليها ممثل الإمارات شاركت هي في صناعتها ومفاقمة آثارها بدعمها للمليشيا الإرهابية – في إشارة للدعم السريع – لافتًا إلى أن ذات الدعم وثقته تقارير فريق الخبراء المعنية بالقرار 1591 كما وثقه تقرير لجنة تقصي الحقائق، والتي وثقت للإمداد المستمر.
وأضاف: “إن ادعاءها الحياد والبراءة لن يجدي في تغطية جرائمها وفظائعها، وهي في شراكة دموية مع الدعم السريع. ونحن كلما سكتنا عنها مكرهين اضطررنا على الرد عليها مجبرين”.
وسرد مندوب السودان سلسلة من الممارسات التي قال إن الإمارات تنتهجها لزعزعة الاستقرار، ومحاولة استبدال قواعد النظام الدولي التي يجب أن تسري على الجميع.
وأكد أن دعمها لقوات الدعم السريع لا يقتصر على شراء الأسلحة، بل يمتد إلى العمل على تفكيك المكونات السودانية وزعزعة استقرار المنطقة بإثارة الفتن الطائفية والكراهية، مع تقويض دور السودان في المؤسسات المختلفة، ومحاولة تخريب علاقاته مع جيرانه عبر الحملات الإعلامية والذكاء الاصطناعي، والنيل من كرامة الشعب السوداني.
كما اتهم أبو ظبي بالسعي لإقامة إدارة موازية في نيالا، وممارسة التطهير العرقي، واستخدام المرتزقة الأجانب في مهاجمة القوات المسلحة، علاوة على تزوير العملة السودانية، وتهريب المعادن الاستراتيجية، فضلاً عن تخريب شبكات الطاقة والكهرباء والمياه، واستهداف السدود ومخازن الغذاء، مع نشر المعلومات المضللة، ومنها ادعاءات استخدام أسلحة كيميائية.
وأكد الحارث في رده على المندوب الإماراتي أن جوهر شبكة الدعم الخارجي للدعم السريع موثق في تقارير دولية عديدة، حيث إن عناصر في شركات مسجلة بالإمارات تتعاقد مع هؤلاء المرتزقة وتشتري خدماتهم، وتتولى نقل العتاد العسكري.
وأردف: “لدينا معلومات أمنية جادة تفيد بأن عناصر من الدعم السريع والمرتزقة تلقوا تدريبًا مكثفًا على استخدام المسيّرات والمدفعية والدفاع الجوي المتطور قبل نقلهم إلى السودان”.
رد إماراتي واتهامات بالكيماوي
وسارع المندوب الإماراتي إلى ممارسة حق الرد مجدداً، مشدداً على أن نظيره يتحدث بالنيابة عن سلطة الأمر الواقع في بورتسودان كطرف في الحرب الأهلية، ومجدداً رفض بلاده التام لتلك الاتهامات
وقال: “دولة الإمارات تجدد رفضها القاطع للاتهامات الباطلة والزائفة الموجهة إليها. كما نؤكد أن دولة الإمارات ليست بحاجة إلى دروس ومواعظ من ممثل نظام مجرم، مرتكب لجرائم الحرب بأدوات محرمة دوليًا ضد شعبه، ويجب محاسبته على قتل الشعب السوداني”.
ومضى يقول إن جسامة المأساة التي يتكبدها المدنيون تفرض على المجتمع الدولي جعل حمايتهم وتطلعاتهم المشروعة إلى السلام والكرامة والاستقرار أولويةً مطلقة، وألا تخضع معاناتهم تحت أي ظرف لحسابات الحرب أو المصالح الضيقة والشخصية للأطراف المتحاربة.
وأكد الدبلوماسي الإماراتي على أن كلا طرفي النزاع يتحمل المسؤولية الكاملة عن أفعاله وعن الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، ولا يجوز لأي طرف أن يتنصل من التزاماته، أو أن يتخذ من أي ذريعة مبررًا لعرقلة الجهود الرامية إلى التوصل إلى هدنة إنسانية.
وجدد اتهامه للحكومة السودانية بالإصرار على مواقف وممارسات تزيد معاناة الشعب السوداني، قائلاً إنها رفضت كل هدنة إنسانية عُرضت عليها، وأعلنت قيادتها أنه لا هدنة ولا وقف لإطلاق النار.
وأردف: “كما أن التقارير والتحقيقات الدولية الموثقة، التي تدعمها أدلة متزايدة، تشير إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية محرمة دوليًا في هذا النزاع، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وللحظر المطلق على استخدام الأسلحة الكيميائية، بما يرقى إلى جريمة بحق الشعب السوداني”.
تفنيد سوداني وسجال تشادي
وعاد المندوب السوداني ليرد على نظيره الإماراتي ملوحاً بتقرير بعثة تقصي الحقائق المستقلة الصادر في 23 سبتمبر 2026 بعنوان «إذكاء الصراع في السودان: العوامل الخارجية»، الذي وثق دور جهات خارجية في تأجيج المعارك، وفي مقدمتها الإمارات.
وخاطبه بالقول: “أما ادعاءاتك يا مندوب الإمارات بأن السودان استخدم أسلحة كيميائية، فهذا ادعاء تبنّته أجهزة الاستخبارات الإماراتية، وهو جزء من الاستهداف الذي نتعرض له دون أي معايير فنية من قبل قوى متحالفة مع الإمارات”.
وتساءل بالقول: “ما المعايير الفنية التي لديك يا مندوب الإمارات؟ ما الذي تملكه لتقنعني وتثبت أننا استخدمنا أسلحة كيميائية؟ هل لديك أي دليل فني أو قانوني؟ وما هي المعايير المعتمدة لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي يُعد السودان عضوًا فيها وعضوًا في مجلسها التنفيذي؟ هل صوّرتم مسرح الجريمة؟ هل أخذتم عينات من التربة والمياه؟ هل أجريتم فحصًا كيميائيًا وبيولوجيًا للضحايا؟ أين الضحايا؟ هل هم أحياء أم أموات؟”.
واعتبر الحارث إدريس أي ادعاء خارج هذا الإطار هو ادعاء سياسي، وليس علميًا ولا قانونيًا.
من جهة ثانية، مارس المندوب التشادي في الأمم المتحدة حق الرد على نظيره السوداني، مؤكدًا موقف تشاد من الحرب في السودان والذي أُعيد تأكيده بوضوح في البيان الذي أدلت به تشاد أمام هذه الجمعية في 22 سبتمبر 2026.
وعلى إثر الملاحظات التي أدلى بها ممثل السودان، لفت المندوب التشادي إلى دخول الحرب في السودان عامها الرابع، وأن ادعاءات ممثل السودان في المحافل الدولية لا أساس لها، أو تُنقل عبر وسائل الإعلام.
وقال إن الحكومة السودانية تروج أفكارًا مفادها أن تشاد متورطة بشكل أو بآخر في النزاع في السودان، معلنًا رفض بلاده القاطع لهذه الاتهامات والتزامها الصارم بمبدأ الحياد.
وتابع: “ونحن لا نسمح في أي حال من الأحوال باستخدام أراضينا الوطنية أو بنيتنا التحتية لخدمة مصالح أي طرف في النزاع الدائر في السودان”.
