الحياة تستبد بنا على قدر الشهوات
حسين اركو مناوى
كل شيء من حولك يبدو نابضاً بحيوية ساحرة؛ حركة لا تهدأ، ووجوه تتعاقب، وأقدام تمضي إلى وجهات لا تعرفها، وأخرى تعود من حيث لا تدري. تتأمل هذا العالم المتحرك من حولك، فتسأل نفسك: ما الذي يدفع كل هؤلاء إلى الركض؟ ما الذي يجعل الإنسان يستيقظ كل صباح، ويواصل المسير، ويبحث، ويجمع، ويكدّ، ويشتهي، ثم لا يلبث أن يبدأ من جديد؟
في لحظة من لحظات التأمل، قد يخطر لك أن الإجابة تكمن في تلك الرغبات التي تسكن الجسد وتستبد بالنفس: المال، والبنون، والجاه، والشهرة، والمتعة، وما يتفرع عنها من أطماع لا تنتهي.
قبل مغادرتي لندن، كنت غارقاً في هذا العالم بكل تفاصيله. كنت أراقب الناس من حولي، وأتأمل سلوكهم، وأتساءل: هل أنا وحدي الذي أرى الأشياء بهذه الطريقة؟ أم أن العالم كله يعيش، بدرجات مختلفة، تحت سلطان الرغبة؟
كان السؤال يلحّ عليّ:
هل التناقض جزء أصيل من طبيعة النفس البشرية؟
في البداية، كنت أميل إلى تحميل الآخرين مسؤولية هذا التناقض. قلت في نفسي: لعلها طبيعة الغرب؛ الأمريكيون والبريطانيون والفرنسيون وغيرهم ممن جعلوا من المادة معياراً للحياة. ثم تذكرت حديثاً قديماً دار بيني وبين صديق فلسطيني، فوجدته يطرح الأسئلة نفسها، وإن اختلفت زاوية النظر.
وكثيراً ما يبحث الإنسان عن شخص أو جهة يحمّلها مسؤولية ما يراه من فساد العالم. فتتردد أسماء الأثرياء، وتُذكر عائلات بعينها، وتُروى قصص عن المال والنفوذ، وكأن الطمع اختراع بشري له أصحاب محددون.
لكن، حين أمعنت النظر، وجدت أن المسألة أعمق من ذلك.
أولئك جميعاً بشر مثلنا. من نسل آدم، يحملون في دواخلهم ما نحمله نحن من ضعف وقوة، ومن رغبة وزهد، ومن طموح وقناعة.” ابوكم آدم سن المعاصي وعلمكم مفارقة الجنان” صدقت يا المتنبئ . وإذا كان بعض الناس قد بلغوا من المال والنفوذ ما لم يبلغه غيرهم، فإن ذلك لا يجعل الطمع حكراً عليهم.
فالطمع هو الطمع، قلّ أو كثر.
وقد يكون الإنسان فقيراً في ماله، لكنه غني في أطماعه، وقد يكون غنياً في ماله، لكنه أفقر الناس إلى القناعة.
ربما لهذا السبب تبدو لي عبارة قديمة شديدة الدلالة: إن الإنسان كثيراً ما يزن الأشياء بميزان يميل حيث تميل مصلحته.
ومن هنا أخذ السؤال شكلاً آخر: إذا كانت رغبات الإنسان هي التي تدفعه، فمن الذي يدير هذا العالم الذي يبدو وكأنّه آلة ضخمة لإنتاج الرغبة وإشباعها؟
تأمل صناعة السلاح وحدها.
شركات عملاقة مثل لوكهيد مارتن، وبوينغ، وجنرال دايناميكس، وBAE Systems، وغيرها من مؤسسات الصناعات الدفاعية، تنفق مليارات الدولارات في تطوير الطائرات والصواريخ والأسلحة والمنظومات العسكرية. لكن السؤال البسيط الذي يظل قائماً هو: من الذي يشتري هذه الأسلحة؟ ومن الذي يستخدمها؟ ومن الذي يدفع ثمنها في النهاية؟
إنه الإنسان.
وهكذا وجدتني أعود مرة أخرى إلى النقطة نفسها: الإنسان هو الذي يصنع الأدوات، ثم يستخدمها ضد الإنسان؛ وهو الذي ينتج ما يشبع حاجاته، ثم يخلق من تلك الحاجات سوقاً لا تنتهي.
كان ذلك في لندن.
كان الخريف قد أرخى ستاره على المدينة، وبدأت ملامح الشتاء تظهر شيئاً فشيئاً. وفي الخامس عشر من نوفمبر، كنت أستعد لمغادرة المدينة في اليوم التالي. ألقيت نظرة على برنامج يومي، وتفقدت أحوال الطقس ومواعيد الحركة، ثم خرجت لأشتري بعض الأشياء التي أحتاج إليها قبل السفر.
توجهت إلى أكسفورد سيركس.
هناك، بدا لي العالم وكأنه اختصر نفسه في مساحة صغيرة.
وجوه من كل القارات، لغات تتقاطع في الهواء، ألوان وثقافات وأزياء مختلفة، ومتاجر تحمل أسماء يعرفها الناس في كل مكان. جون لويس، ماركس آند سبنسر، سيلفريدجز، أبل، سامسونغ، بريمارك وغيرها.
كان المكان أشبه بمدينة داخل مدينة؛ أو عالم صغير لا تكاد تجد فيه لغة واحدة أو ثقافة واحدة أو ملامح واحدة.
ومع ذلك، كان هناك شيء يجمع الجميع.
الرغبة.
الكل يريد شيئاً.
هذا يبحث عن هاتف، وذاك عن ثوب، وآخر عن هدية، وهذه عن عطر، وتلك عن حذاء، وطفل يتشبث بيد أمه مطالباً بشيء رآه خلف الزجاج.
حتى الشيخ الذي أثقلته السنون لا يخلو من رغبة، والشاب الذي ما زال في أول الطريق يحمل في عينيه أحلاماً كثيرة.
تأملت المشهد، وتذكرت قول أبي القاسم الشابي:
وألذ من سحر الصبا
في بسمة الطفل الغرير
ثم انتقلت بي الذاكرة إلى أبي فراس الحمداني:
وقور، وريعان الصبا يستفزها
فتأرن أحياناً، كما يأرن المهر
وتذكرت أيضاً ما في الشعر العربي من تصوير دائم لحركة النفس بين الوقار والرغبة، وبين الشباب والشيخوخة، وبين العقل وما يطلبه الجسد مثلما تغني ابو داؤود في فن الحقيبة” آنّة المجروح” “ إن كان تميس بنميس وإن كان تموح بنموح” .
فليس الإنسان واحداً في داخله.
فيه الشيخ والشاب، وفيه العاقل والراغب، وفيه من يريد الاكتفاء ومن يريد المزيد.
ربما لهذا كانت أكسفورد سيركس بالنسبة إليّ أكثر من مجرد سوق.
كانت مرآة.
مرآة كبيرة رأيت فيها الإنسان وهو يطارد الأشياء، ثم يكتشف بعد الحصول عليها أنه ما زال يريد شيئاً آخر.
وهكذا تستمر الدائرة.
في اليوم التالي، وصلت إلى مطار هيثرو، إلى مبنى الركاب الثاني، حيث كانت الحركة لا تقل كثافة عن أكسفورد سيركس.
حقائب تتدحرج، مسافرون يتعجلون، شاشات تعرض مواعيد الرحلات، أصوات تنادي، موظفون يوجهون، ووجوه تحمل مزيجاً غريباً من القلق والانتظار.
كان كل شيء منظماً بدقة، لكن خلف هذا التنظيم كان هناك شيء آخر: الإنسان وهو يحمل عالمه الصغير داخل حقيبته.
كل حقيبة كانت حكاية.
وكل مسافر كان عائداً إلى شيء أو ذاهباً إلى شيء.
وفي تلك اللحظة، بدا لي السفر نفسه جزءاً من رحلة الإنسان الطويلة وراء رغباته: المال، والأسرة، والعمل، والمكانة، والنجاح، والبحث الدائم عن حياة أفضل.
ثم نظرت إلى هاتفي.
ذلك الجهاز الصغير الذي اختصر العالم في شاشة.
فيه البيت، والأهل، والأصدقاء، والعمل، والأخبار، والصور، والرسائل.
واتساب، وفيسبوك، وإنستغرام، وتويتر، وغيرها.
لم يعد الإنسان بحاجة إلى أن يحمل معه العالم؛ فالعالم أصبح يحمله معه.
كنت أتصفح الرسائل، وأتنقل بين الصور والأخبار، حتى شعرت أن الهاتف لم يعد وسيلة أتواصل بها مع العالم، بل أصبح العالم نفسه يسكن داخله.
أقلعت الطائرة في الثامنة وأربعين دقيقة مساءً.
جلست في مقعدي، وربطت حزام الأمان، ثم بدأت المضيفة تقدم تعليمات السلامة.
كان صوتها يتردد في الطائرة بهدوء مألوف، لكن شيئاً في نبرتها استوقفني.
وفجأة، حدث شيء لم أتوقعه.
انفتحت في داخلي نافذة قديمة.
نافذة تعود بي نحو خمسين عاماً إلى الوراء.
إلى زمن آخر.
إلى مكان آخر.
إلى طفل كنت أظن أنني تركته هناك إلى الأبد.
رأيت القرية.
رأيت البيت الصغير، والوجوه التي كانت لا تحتاج إلى مواعيد مسبقة كي تلتقي، والناس الذين كانت بينهم معرفة تتجاوز الأسماء والأنساب.
كانت الحياة بسيطة، لكنها لم تكن فقيرة.
كانت الأسرة متماسكة، والقرية أقرب إلى بيت كبير، والجيران يعرف بعضهم بعضاً، والفرح إذا جاء لا يبقى في بيت واحد، والحزن إذا نزل على أحدهم لا يتركه وحيداً.
كنا نلعب في فضاء مفتوح لا تحده أسوار.
نطارد الطيور، ونركض خلف بعضها، ونلعب الشليل، ونتنقل بين البيوت والمراعي، ونعود مع الغنم حين تميل الشمس إلى المغيب.
كانت أمهاتنا ينتظرننا.
وكان لحضن الأم في ذلك الزمن معنى لا تستطيع الكلمات أن تشرحه.
كان حضناً يختصر العالم كله.
وفي المساء، حين يهدأ صخب النهار، يجتمع الرجال.
الجد، والأب، والخال، والعم، والأخ الأكبر، وأهل القرية.
لا شاشات أمامهم، ولا هواتف، ولا رسائل عاجلة، ولا أخبار تتدفق من كل مكان.
كانت هناك وجوه تتحدث، وآذان تستمع، وذاكرة مشتركة تحفظ الحكايات.
كان الناس يتقاسمون أفراحهم وأحزانهم، ويعرفون أن مصير الواحد منهم ليس منفصلاً تماماً عن مصير الآخرين.
لم تكن الحياة آنذاك خالية من المشقة.
كانت هناك الحاجة، والعمل، والمرض، والخوف، ومشكلات كثيرة.
لكنها كانت مشقة تُحتمل في جماعة، وحياة يتقاسم الناس أعباءها.
أما اليوم، فقد أصبح الإنسان أكثر قدرة على امتلاك الأشياء، لكنه ربما صار أقل قدرة على امتلاك الطمأنينة.
في تلك اللحظة، شعرت أنني أقف بين عالمين.
عالم تركته خلفي، وعالم أطير نحوه.
عالم كانت فيه الأشياء قليلة، لكن العلاقات كثيرة.
وعالم كثرت فيه الأشياء، حتى كادت الأشياء تحجب الإنسان عن الإنسان.
في القرية القديمة، لم يكن الإنسان يحتاج إلى الكثير لكي يشعر بأنه حي.
كان يكفيه بيت، وأهل، ورفاق، ومجموعة من الأغنام، ومورد ماء، وليل هادئ، وسماء مليئة بالنجوم.
أما الآن، فقد أصبح الإنسان محاطاً بأشياء لا حصر لها، ومع ذلك لا يكاد يشعر بالاكتفاء.
لعل المشكلة ليست في الأشياء ذاتها.
فالمال ليس شراً، والعمل ليس شراً، والعلم ليس شراً، والتكنولوجيا ليست شراً.
المشكلة تبدأ حين تتحول الوسيلة إلى غاية، وحين يصبح ما نملكه هو الذي يملكنا.
عندها لا تعود الحياة شيئاً نعيشها، بل شيئاً يستبد بنا.
أفقت من شرودي على أضواء الطائرة.
كانت المضيفة تمر بين المقاعد وتسأل المسافرين عن وجبة العشاء.
نظرت إلى الشاشة أمامي، ثم إلى خريطة الرحلة.
كان بإمكاني أن أرى مسار الطائرة من الأعلى، ثم حولت الشاشة إلى الوضع ثلاثي الأبعاد.
كانت الطائرة تحلق على ارتفاع يقارب ثلاثين ألف قدم، وفجأة ظهر البحر الأدرياتيكي تحتنا.
تأملت المشهد طويلاً.
في الأسفل، بحر واسع.
وفي الأعلى، سماء لا نهاية لها.
وفي المنتصف، طائرة تحمل مئات البشر، لكل واحد منهم قصة، وبيت، وأمنية، وقلق، ووجهة.
قلت في نفسي:
ما الذي يفعله الإنسان بكل هذا الركض؟
إلى أين نمضي؟
نشتري، ونبيع، ونسافر، ونبني، ونجمع، وننافس، ونحلم، ثم نكتشف أن الزمن أسرع منا جميعاً.
نركض وراء الدنيا، كأنها ستمنحنا الخلود.
ثم لا تلبث أن تتركنا ونتركها.
تذكرت أكسفورد سيركس.
وتذكرت هيثرو.
وتذكرت الحشود.
وتذكرت الحقائب.
وتذكرت الهاتف الذي يحمل العالم كله في يدي.
ثم تذكرت القرية.
تذكرت ضحكة الأطفال.
تذكرت حضن أمي.
تذكرت جلسة الرجال في المساء.
تذكرت السماء التي كنا نراها بلا شاشات.
وتساءلت:
هل كانت الحياة يومها أجمل؟
ربما ليس هذا هو السؤال الصحيح.
فالحياة القديمة لم تكن خالية من الألم، والحياة الحديثة ليست خالية من النعم.
لكن الفرق أن الإنسان القديم كان يعرف أحياناً أن الأشياء أدوات للحياة، بينما نحن نكاد ننسى أن الحياة هي الغاية.
ربما نحن الذين سمحنا للحياة أن تستبد بنا.
أعطيناها مفاتيح رغباتنا، ثم تركناها تقودنا حيث تشاء.
ومنذ ذلك الحين، أصبحنا نركض أكثر، ونملك أكثر، ونتصل أكثر، ونعرف عن العالم أكثر، لكننا لا نعرف بالضرورة أنفسنا أكثر.
وحين ارتفعت الطائرة فوق البحر، أدركت أن المسافة بين لندن وقريتي لم تكن آلاف الأميال.
كانت المسافة بين زمنين.
بين إنسان كان يبحث عن الطمأنينة، وإنسان أصبح يبحث عن المزيد.
وبينما كانت الطائرة تواصل رحلتها في عتمة السماء، بقي الطفل القديم في داخلي واقفاً عند أطراف القرية، يلوّح لي من بعيد.
ربما لم أتركه هناك.
ربما كان هو الذي ظل ينتظرني طوال هذه السنوات.
وربما، في النهاية، ليست المشكلة أن الحياة تستبد بنا، وإنما أننا كثيراً ما نسلمها أنفسنا طائعين، ثم نتساءل بعد فوات الأوان:
كيف استبدت بنا الحياة؟
