Wednesday, October 7, 2026

Sudan Tribune

Plural news and views on Sudan

دولة 56، من كرمة إلى الدولة الوطنية

محمد عربي المريابى

عندما نتحدث عن «دولة 56»، فإن كثيرين ممن يتناولون هذا المفهوم يحصرونه في الدولة التي ولدت في الأول من يناير 1956، يوم أعلن السودانيون استقلال بلادهم وميلاد دولتهم الوطنية الحديثة. غير أن هذا الاختزال يحجب حقيقة أكثر عمقًا، وهي أن دولة 56 ليست مجرد لحظة تاريخية منفصلة، وإنما هي خلاصة التجربة الحضارية السودانية التي تمتد جذورها عميقًا في التاريخ، قبل أن تصل إلى لحظة إعلان الاستقلال.

فالسودان الذي نعيش فيه اليوم لم يظهر إلى الوجود عام 1956، وإنما هو نتاج مخاض تاريخي طويل. فمنذ كرمة، إحدى أقدم الحضارات في التاريخ، قبل أكثر من خمسة آلاف عام، مرورًا بالممالك النوبية العظيمة، نبتة ومروي، ثم الممالك المسيحية، نوباتيا والمقرة وعلوة، وصولًا إلى ممالك وسلطنات العصر الوسيط، الفونج والفور والمسبعات وتقلي وغيرها من الممالك والسلطنات والإمارات السودانية العديدة، تراكمت تجارب متنوعة في الحكم والتجارة والعلاقات الاجتماعية والمكونات الثقافية والمعتقدات الدينية.

ثم انتقل السودان إلى العصر الحديث، مرورًا بمرحلة الحكم التركي المصري، والثورة المهدية وتأسيس دولتها، ثم الحكم الإنجليزي المصري، المعروف بالحكم الثنائي. وقد تركت كل حقبة من هذه الحقب بصماتها في تكوين الشخصية السودانية، وفي شكل الدولة ومؤسساتها، وفي علاقتها بالمجتمع، وفي تشكيل المكون الثقافي السوداني.

ومن هذا المنطلق، فإن «دولة 56» ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها قطيعة مع الماضي، وإنما باعتبارها نتاجًا لهذا التاريخ الباذخ كله، بما حمله من قوة وضعف، وصعود وهبوط، وإنجازات وإخفاقات، وقيم وتناقضات، وبما قدمه السودان من إسهامات عظيمة في مسيرة الحضارة الإنسانية.

لقد ورثت الدولة الوطنية الحديثة، عند الاستقلال، بلدًا شديد التنوع في ثقافاته وأعراقه ومعتقداته ومكوناته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إلا أنها لم تنجح في تحويل هذا التنوع إلى مشروع وطني جامع، وظلت أسئلة الهوية، والمركز والهامش، والسلطة والثروة، والدين والدولة، والتنمية غير المتوازنة، والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، حاضرة بقوة، دون أن تجد إجابات حاسمة، فتحولت إلى مصادر مستمرة للصراع وعدم الاستقرار.

ومن هنا بدأت رحلة التعثر، أو ما يمكن تسميته بالدائرة الشريرة: ديمقراطيات قصيرة لم تمكّنها قصر مدتها من تنفيذ برامجها، فضلًا عن التفرغ للنظر في القضايا السياسية والفكرية العميقة، ثم انقلابات عسكرية ذات قبضة شمولية باطشة، وأيديولوجيات إقصائية لا تترك مجالًا كافيًا للفكر والثقافة لكي يقدما منتوجًا جديدًا يسهم في التعاطي مع القضايا الكبرى التي تواجه الدولة السودانية.

ثم جاءت فترات انتقالية لا تملك تفويضًا كافيًا يمكّنها من ممارسة السلطة باستقلالية كاملة، أو التخطيط للمستقبل على نحو مستقر. وأدى ذلك كله إلى ثورات ونزاعات وصراعات مسلحة، أنتجت حروبًا طاحنة استنزفت موارد الدولة المادية والبشرية، وأعاقت فرص بناء الدولة الوطنية.

إن تحميل حزب أو جماعة أو شخص واحد مسؤولية هذه الإخفاقات لا يقدم تفسيرًا واقعيًا وكافيًا للأزمة السودانية. فأزمة السودان أعمق من أزمة حكومات، إنها أزمة بناء دولة.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نجيب عليه اليوم ليس فقط: من المسؤول عن فشل دولة 56؟ وإنما السؤال الأهم هو: ماذا تعلمنا من تجربة دولة 56؟

لقد أثبتت التجربة أن تغيير السلطة لا يعني بالضرورة تغيير الدولة، وأن إسقاط نظام لا يعني تلقائيًا بناء نظام بديل، وأن الانتصار في معركة سياسية لا يساوي الانتصار في معركة بناء الوطن، كما أن حسم معركة عسكرية لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار السياسي.

 

ومن هنا نعود إلى السؤال التقليدي، المستعصي على الإجابة، الذي ظل السودانيون يرددونه منذ الاستقلال:

 

كيف يُحكم السودان؟

 

هنا يبدأ معنى شرف الموقف وواقعية الحل.

 

فشرف الموقف يقتضي أن نعترف بأخطاء الماضي، وأن نقف وندافع بقوة عن حق السودانيين في الحرية والسلام والعدالة، وألا تكون هناك مساومة على حقوق المواطنين أو دماء الضحايا.

 

أما واقعية الحل، فتقتضي أن ندرك أن السودان لا يمكن أن يُبنى بمنطق المنتصر والمنهزم، ولا بإعادة إنتاج الدورة الجهنمية القائمة على الإقصاء والانتقام والانقلابات والحروب.

 

إن الذين يدعون إلى هدم دولة 56 لم يقرأوا التاريخ جيدًا، ويعيشون في ضلالة سياسية وتاريخية. وفي المقابل، فإن الذين يقدسون دولة 56 ويعتبرونها نموذجًا مكتملًا، قصيرو النظر ومنكفئون على أنفسهم.

 

المطلوب ليس هدم دولة 56، ولا تقديسها، وإنما تجاوز سلبياتها وإخفاقاتها، والبناء على أفضل ما فيها، والعمل الجاد لصياغة المشروع الوطني واستكمال بناء الدولة الوطنية الحديثة.

 

دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة حكم القانون، والعدالة، واستقلال المؤسسات، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، والاعتراف بالتنوع الديني والعرقي والثقافي باعتباره مصدر قوة لا مصدر تهديد، وتفجير الطاقات البشرية لاستشراف المستقبل وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة.

 

فالسودان الذي أنجب كرمة ونبتة ومروي، والمقرة وعلوة، والفونج والفور، والثورة المهدية، وحقق استقلالًا «كالصحن الصيني، لا شق ولا طق»، يمتلك من العمق الحضاري، والتنوع الثقافي، والإرث النضالي، ما يؤهله لبناء دولة حديثة مستقرة.

 

إن التحدي الذي يواجهنا اليوم ليس استعادة الماضي، وإنما تجاوز سلبياته، واستخلاص أفضل ما فيه، والبناء عليه.

 

ولهذا فإن تجاوز دولة 56 لا يعني التنكر لها، بل يعني إكمال ما لم نستطع إنجازه، وتصحيح ما أخفقنا فيه، وبناء دولة وطنية تستوعب جميع السودانيين دون إقصاء أو تمييز.

 

أما الدعوة إلى هدم دولة 56، والتنكر لكل ما تمثله من تجربة تاريخية، فهي دعوة باطلة ومرفوضة، ويتعين علينا مواجهتها بكل حزم، لا دفاعًا عن الماضي كما هو، وإنما دفاعًا عن حق السودان في أن يبني مستقبله على أساس دولة وطنية حديثة، عادلة، ديمقراطية، مستقرة، وموحدة.