ويلتون بارك والسيادة: بين مشروعية السؤال ودقة الوقائع!
الواثق كمير
اطلعت على المقال المنشور بصحيفة التيار بعنوان: *“ويلتون بارك: حضور بلا تفويض… وسيادة تُغيَّب قسراً”*.
وأقدّر تماماً حق الكاتبة، وحق أي سوداني، في مساءلة دور بريطانيا، أو ويلتون بارك، أو أي منبر خارجي يتناول قضايا السودان. فهذا سؤال مشروع، بل وضروري، خاصة في ظل الحرب، وتداخل الأدوار الإقليمية والدولية، وحساسية أي نقاش يتعلق بمستقبل البلاد.
لكن مشروعية السؤال لا تعفي من ضرورة الدقة في الوقائع، ولا من توصيف صحيح لطبيعة اللقاء.
*أولاً*، لم يكن لقاء ويلتون بارك مساراً تفاوضياً، ولا منصة سياسية لاتخاذ قرارات باسم السودان، ولا اجتماعاً لإنتاج مخرجات ملزمة للدولة السودانية. كان نقاشاً فنياً مدنياً حول خيارات وقضايا حكم مستقبلية، شارك فيه الحاضرون بصفاتهم الشخصية والمهنية، لا كممثلين لحكومات أو أحزاب أو حركات مسلحة أو كتل سياسية. ومن ثم، فإن الحديث عن “حضور بلا تفويض” يخلط بين لقاء فني غير رسمي، وبين مسار تفاوضي يحتاج إلى تفويض وتمثيل رسمي.
*ثانياً*، القول إن “السيادة غُيّبت” بسبب عدم دعوة الحكومة السودانية لا يستقيم إذا فهمنا طبيعة اللقاء. فالحكومة لم تكن طرفاً مطلوباً في اجتماع غير تفاوضي، لا يقرر باسم السودان، ولا يوقّع اتفاقاً، ولا يصدر ترتيبات سياسية أو أمنية ملزمة. وفوق ذلك، فإن الحكومة السودانية كانت على علم باللقاء، وتم إخطارها عبر القنوات المعنية من جانب ويلتون بارك ووزارة الخارجية البريطانية. لذلك لم يكن الأمر يجري من وراء ظهر الدولة أو في غياب علمها.
*ثالثاً*، من المهم تصحيح بعض المعلومات التي بُني عليها النقد. لم تحضر وفود رسمية من دول الرباعية، بما في ذلك دولة الإمارات، كما لم يحضر الدعم السريع. ولم يكن الاجتماع حواراً بين القوات المسلحة والدعم السريع، ولا بين الحكومة السودانية وأي قوة إقليمية. أما المشاركة الدولية، فقد اقتصرت على خبراء فنيين وممثلين مرتبطين بإطار الخماسية، في سياق الاستماع إلى آراء سودانية أوسع حول قضايا الحكم، لا في سياق تفاوض سري أو مسار سياسي بديل.
*رابعاً*، صحيح أن القضايا التي نوقشت — مثل توزيع السلطات، والفدرالية المالية، والتمثيل — ليست قضايا فنية محضة. وقد قلت ذلك صراحة في مقالي السابق: قد تبدو هذه القضايا فنية في ظاهرها، لكنها في السودان قضايا سياسية عميقة، لأنها تتصل بالشرعية، والثقة، والمظالم التاريخية، وعلاقة المركز بالأطراف، وقدرة الدولة على البقاء. ولذلك فالمسألة ليست فصلاً بين الفني والسياسي، وإنما تمييز بين طبيعة اللقاء كحوار فني مدني، وبين الأبعاد السياسية العميقة للموضوعات المطروحة.
لا خلاف في أن من حق السودانيين أن يسألوا: لماذا تنظم بريطانيا مثل هذه اللقاءات؟ وما علاقة ذلك بمقاربتها للملف السوداني؟ وما حدود دور مراكز التفكير والمنتديات المرتبطة بالدول الكبرى؟ هذه أسئلة مشروعة، ولا ينبغي إسكاتها أو التقليل من أهميتها. لكن مشروعية هذه الأسئلة لا تبرر تحويل كل نقاش فني أو مدني إلى دليل على تغييب السيادة أو الالتفاف على الدولة.
إن السيادة لا تُصان فقط برفض اللقاءات الخارجية، بل تُصان أيضاً ببناء موقف سوداني وطني قادر على التمييز بين النقد الموضوعي والتخوين، وبين اليقظة المشروعة تجاه الأدوار الخارجية وبين قراءة كل منبر بوصفه مؤامرة مكتملة الأركان.
ما جرى في ويلتون بارك لا يصنع مستقبل السودان، ولا يملك أن يقرره.
مستقبل السودان يجب أن يُصنع عبر عملية سودانية شرعية وشاملة يملكها السودانيون أنفسهم. لكن هذا لا يعني أن كل نقاش منظم خارج السودان، يشارك فيه سودانيون بصفاتهم الشخصية، هو بالضرورة مساس بالسيادة أو بديل عن الدولة.
لذلك، فإن المطلوب ليس إغلاق باب النقاش، بل تصحيح الوقائع، وتحديد طبيعة المنابر بدقة، والتمييز بين ما هو لقاء فني غير ملزم، وما هو مسار سياسي تفاوضي يحتاج إلى تمثيل رسمي وتفويض واضح.
القاهرة، 29 يوليو 2026
