Wednesday, September 9, 2026

Sudan Tribune

Plural news and views on Sudan

‘المسخ’، أو في حالة التحول من “متقاعس” إلى “متحاور”.

اسماعيل التاج

اسماعيل التاج

للأنظمة العسكرية الشمولية في السودان قدرة على تحريف الحقائق، كما لها قدرة فائقة على تكريس الإفلات من العقاب، وقدرة أكبر على تجريف الحياة المدنية ومبادئ الشفافية والمساءلة. وتوظف الأنظمة العسكرية الشمولية آليات التجريف كما توظف آليات التحريف. وهناك من هم على استعداد للقيام بالأدوار التحريفية والتجريفية.

في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2019م صدر قرار بتشكيل (لجنة التحقيق المستقلة في الانتهاكات التي وقعت بتاريخ 3 يـونيو/حزيران 2019م بمحيط القيادة العامة للقوات المسلحة والولايـات). وبعد عدة شهور من تشكيلها،  ظل رئيسها يتقن دور ‘المتقاعس’ عن أداء مهامه، ويمارس التبريرات التحريفية لتقاعس لجنة التحقيق، مع أنَّ قرار التشكيل نصَّ على منح اللجنة 3 أشهر قابلة للتمديد فقط لمدة ثلاثة أشهر أخرى، لأداء مهمتها.

بالمقابل، ظهر حديثاً ‘المتقاعس’ في دورشخصية الـ ‘متحاور’، في سياق حوار دعا إليه قائد انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 وأحد الشخصيات التي يُفترض أنْ يحقق معها ‘المتقاعس’ بشأن دورها في مجزرة القيادة العامة. أصبح الـ ‘متحاور’ رئيساً للجنة القانونية للحوار السياسي المرسوم والموجَّه بواسطة قائد الانقلاب وسلطة الأمر الواقع العسكرية.

يذكرنا سيناريو ‘المتقاعس’ الذي تحول إلى ‘متحاور’ بذلك السيناريو المرعب الذي استيقظ فيه ذلك الرجل ذات صباح ليجد أنه تحول إلى حشرة في رواية كافكا الشهيرة ‘المسخ’. يا له من سيناريو مرعب. والقصد في حالتنا هنا هو ‘المسخ’ المعرفي والقانوني وتجييره في اتجاهات قمعية، حيث تحول رئيس لجنة التحقيق، الـ ‘متقاعس’، إلى ‘متحاور’ في ظل نظام عسكري شمولي، يُفترض التحقيق معه بشأن المجزرة. مسخ ما بعده مسخ.

سيناريو مرعب لمن يعرف مآلات ‘التقاعس’، وعدم الوفاء الأخلاقي والمهني المفترض إنجازه، وأداء قسم مقدس للقيام بمهام لجنة لها أولوية في مسار ثورة ديسمبر/كانون الأول وأسر الشهداء. فإذا بـ ‘المتقاعس’ ينمسخ إلى ‘متحاور’ ويتحول إلى مدافع عن حوار يحتوي على تحريف لمفاهيم ومصداقية الحوارات السياسية، وتجريف للقوى المدنية، وبرعاية شمولية. ولا يعتذر ‘المتقاعس’ لأسر الشهداء والضحايا عن تقاعسه، وعدم رغبته وعدم قدرته على إصدار تقرير بنتائج تحقيقه.

أن يصبح ذلك الشخص ‘متحاوراً’ في أي سياق، فذلك شيء يخصه وحده، أمَّـا أن يصبح ‘متقاعساً’ عن الوفاء بمهمة تتعلق بمجزرة، فذلك شيء يهمنا جميعاً، جميع من سار في درب ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018، ويهمه الكشف عن نتائج التحقيق في مجزرة القيادة العامة في 3 يونيو/حزيران 2019، التي لن تسقط بالتقادم والتحريف والتجريف للوثيقة الدستورية لسنة 2019 تعديل لسنة 2020.

لا تهمنا مواقف ‘المتحاور’ التحريفية والتجريفية في المجال السياسي، بقدر ما تهمنا مواقف ‘المتقاعس’ المهنية والأخلاقية في الإطار الحقوقي بعدم نشر نتائج التحقيق. بعد سبع سنوات عجاف من تشكيل (لجنة التحقيق في مجزرة القيادة العامة في 3 يونيو/حزيران 2019 والولايات)، نطالب ‘المتقاعس’ بنشر تقرير اللجنة التي ترأسها منذ تشكيلها في أكتوبر/تشرين الأول 2019. نعم، مرت سبع سنوات ولا تقرير، بل مزيد من التقاعس واللامبالاة.

نطالب ‘المتقاعس’ بذلك لأنَّ الحق في معرفة الحقيقة له بُـعد فردي وبُـعـد جماعي، وكلاهما غير قابل للتصرف، كما أكدَّت أدبيات الأمم المتحدة.

معرفة الحقيقة، حق أصيل للضحايا ولأسرهم، وتقويض ‘المتقاعس’ لهذا الحق لن يمر دون تقصي، وربما مساءلة.

9 سبتمبر/أيلول 2026