كبار السن في حرب السودان.. ذاكرة مثقلة بالفقد ومعاناة بلا سند
الخرطوم 8 نوفمبر 2026– لم تترك الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023 فئة من المجتمع دون أن تطالها تداعياتها، غير أن كبار السن يواجهون معاناة مضاعفة تتجاوز مخاطر النزوح وفقدان المنازل ومصادر الدخل، إلى صعوبة الحصول على العلاج والغذاء والرعاية، وتفكك الروابط الأسرية.
اقتلاع من الذاكرة والمكان
تقول الحاجة عائشة عبد الله، البالغة من العمر 72 عامًا، إنها لم تتوقع أن يأتي اليوم الذي تضطر فيه إلى مغادرة منزلها الذي عاشت فيه أكثر من أربعين عامًا بمنطقة بحري.
وأضافت عائشة لـ«سودان تربيون»: خرجنا على عجل، ولم نتمكن من أخذ سوى بعض الملابس والأشياء البسيطة. تركت خلفي ذكرياتي وصور أبنائي وأحفادي وكل ما جمعته طوال سنوات عمري. كانت رحلة النزوح قاسية جداً، فالتنقل لمسافات طويلة والإرهاق والانتظار في الطرقات أمور يصعب على شخص في عمري تحملها وتابعت: «الآن أعيش في مكان لا أعرفه، ولا أشعر فيه بالأمان أو الاستقرار. وأكثر ما يؤلمني أنني لا أعرف متى سأعود إلى بيتي».
حين يتفرق الأبناء ويغيب السند
يروي العم صالح محمد، البالغ من العمر 78 عامًا، والمقيم في مركز إيواء بمدينة بورتسودان، أنه كان يعيش وسط أبنائه وأحفاده، لكن الحرب فرقت شمل الأسرة، فغادر بعض أبنائه إلى مناطق بعيدة، بينما لا يعرف شيئًا عن آخرين منذ فترة طويلة.
وقال صالح لـ«سودان تربيون» إنه أصبح يعيش بمفرده، ويقضي معظم يومه في انتظار اتصال أو خبر يطمئنه على أبنائه.
وأضاف أحيانًا أمرض ولا أجد من يساعدني في الذهاب إلى المستشفى أو شراء الدواء، وحتى الاحتياجات اليومية البسيطة أصبحت عبئًا كبيرًا. أصعب ما في هذه المرحلة ليس الفقر وحده، وإنما الشعور بأنك أصبحت بلا سند.
ووفقًا لبيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد النازحين داخليًا في السودان نحو 8.6 مليون شخص في سبتمبر 2026، فيما بلغ عدد العائدين إلى مناطقهم نحو 5.1 مليون شخص.
تمثل الرعاية الصحية واحدة من أكثر التحديات إلحاحًا بالنسبة لكبار السن، خاصة المصابين بالأمراض المزمنة التي تتطلب متابعة طبية مستمرة وتناول الأدوية بانتظام.
ومع تراجع الخدمات الصحية في مناطق واسعة من البلاد، ونقص الأدوية وارتفاع أسعار المتاح منها، فضلاً عن صعوبات التنقل وتكاليف العلاج، أصبح الوصول إلى الرعاية الصحية عبئًا إضافيًا على المسنين وأسرهم.
معركة يومية من أجل البقاء
أما فاطمة إبراهيم، البالغة من العمر 69 عامًا، فتقول إنها تعاني من أمراض مزمنة تتطلب تناول الأدوية بصورة منتظمة، لكن الحصول على العلاج أصبح معاناة يومية منذ اندلاع الحرب.
وأضافت فاطمة لـ«سودان تربيون» أن الأدوية لا تتوفر أحيانًا في الصيدليات، وإن وجدت تكون أسعارها مرتفعة ولا تستطيع شراءها، مشيرة إلى أن الوصول إلى المستشفيات أصبح صعبًا بسبب المواصلات والظروف الأمنية وتكاليف العلاج.
وأوضحت أنها تضطر في بعض الأحيان إلى تقليل جرعات الدواء حتى تتمكن من توفير ما تبقى منه لأيام أخرى، وأردفت: «نحن كبار السن لا نستطيع تحمل انقطاع العلاج، فالأمراض لا تنتظر توقف الحرب».
جراح نفسية لا تراها العيون
أما حسن إدريس، البالغ من العمر 75 عامًا، فيقول إن الحرب أخذت منه أكثر من البيوت والأموال، إذ سلبته راحة البال والشعور بالحياة.
وأضاف لـ«سودان تربيون» أنه فقد أشخاصًا أعزاء على قلبه، وتفرقت أسرته، وأصبح يعيش في خوف دائم من الأخبار القادمة.
يقول: «في الليل يصعب عليّ النوم، وأظل أفكر في أبنائي وأحفادي الذين لا أعرف أين هم، وفي الأيام التي كنا نجتمع فيها حول مائدة واحدة. أشعر أحيانًا أنني أصبحت عبئًا على الآخرين، ولا أريد أن أشتكي حتى لا أثقل عليهم. نحن كبار السن نحتاج إلى من يستمع إلينا ويطمئننا ويشعرنا بأننا ما زلنا مهمين، وليس فقط إلى الطعام والدواء».
ولا تقتصر آثار الحرب على الخسائر المادية والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، إذ تترك تداعيات نفسية عميقة، خصوصًا لدى كبار السن الذين يجدون أنفسهم أمام تجارب متلاحقة من الفقد والانفصال الأسري والخوف من المجهول، وقد تؤدي العزلة وفقدان الأحبة وانقطاع التواصل مع الأبناء والأحفاد إلى تفاقم مشاعر الحزن والقلق واضطرابات النوم، في ظل محدودية خدمات الدعم النفسي والاجتماعي الموجهة لهذه الفئة.
تفكك الأسرة وغياب منظومة الحماية
في السياق قالت خبيرة علم الاجتماع، الدكتورة نجلاء عبد المحمود أحمد الجيلي، إن الحرب والنزوح وتشتت الأسر فاقمت الأوضاع الاجتماعية والنفسية لكبار السن في السودان، وحرمت كثيرين منهم من الرعاية الأسرية التي كانوا يعتمدون عليها في تلبية احتياجاتهم الأساسية، بما في ذلك الحصول على الغذاء والدواء والوصول إلى الخدمات الصحية.
وأوضحت الجيلي لـ«سودان تربيون» أن فقدان الأبناء، سواء بالقتل أو الفقدان أو التشتت، إلى جانب وفاة الزوج أو الزوجة، أدى إلى انهيار شبكات الدعم الأسري والاجتماعي التي يعتمد عليها كبار السن.
وأشارت إلى أن الابن يمثل في الثقافة السودانية سندًا اجتماعيًا أساسيًا، يتولى توفير الدواء ومتابعة الاحتياجات اليومية ومرافقة الوالدين إلى المرافق الصحية.
وأضافت أن تداعيات الحرب لا تقتصر على فقدان الرعاية المادية، بل تمتد إلى العزلة الاجتماعية والاضطرابات النفسية، حيث يجد كثير من المسنين أنفسهم في ظروف معيشية قاسية، دون أقارب يتفقدون أحوالهم أو يساعدونهم في الحصول على احتياجاتهم. واستشهدت بحالات لمسنين في مخيمات النزوح بشرق تشاد، من بينهم رجل في العقد السابع من عمره فقد أبناءه بين قتيل ومفقود، وتوفيت زوجته، ويعيش وحيدًا في خيمة، دون معرفة مصير أبنائه أو وجود من يتولى رعايته.
ولفتت إلى أن بعض كبار السن يعجزون عن الوصول إلى المراكز الصحية بسبب صعوبة الحركة وطول المسافات، فضلاً عن انقطاع الأدوية، مشيرة إلى حالة مسن يبلغ من العمر 78 عامًا يعاني من آلام المفاصل، ونفدت أدويته الخاصة بضغط الدم منذ شهرين، دون أن يجد من يساعده في الحصول عليها.
وفيما يتعلق بمنظومة الحماية والرعاية الاجتماعية، قالت الجيلي إن الحرب كشفت هشاشة بنيوية في النظام الاجتماعي السوداني، الذي ظل يعتمد بدرجة كبيرة على الأسرة الممتدة في رعاية كبار السن، دون وجود مؤسسات حكومية قادرة على توفير بدائل فعالة عند تفكك الروابط الأسرية.
وأشارت إلى أن الحرب أثرت أيضًا على دور رعاية المسنين، مستشهدة إحدى الدور في الخرطوم بحري، التي كانت تؤوي عشرات المسنين قبل اندلاع الحرب، قبل أن يُنقل المقيمون فيها إلى مدينة أخرى، حيث توفي أربعة منهم خلال فترة الإقامة المؤقتة، فيما عاد بعض الناجين بإعاقات جسدية، من بينها بتر أحد الأطراف.
وأضافت أن بعض نزلاء دور الرعاية يعانون أصلاً من انقطاع التواصل مع أسرهم، الأمر الذي يزيد من عزلتهم، حتى إن محاولات الجهات المعنية التواصل هاتفيًا مع ذويهم لإبلاغهم بأوضاعهم الصحية لا تجد استجابة في بعض الأحيان.
وحملت الجيلي الدولة مسؤولية حماية كبار السن، رغم تعقيدات الحرب وانهيار الخدمات، كما دعت المنظمات الإنسانية إلى إيلاء هذه الفئة اهتمامًا أكبر في تقييم الاحتياجات وتصميم برامج الاستجابة، مشيرة إلى أن كبار السن يظلون من الفئات الأقل ظهورًا في خطط توزيع المساعدات، رغم ارتفاع احتياجاتهم الصحية والمعيشية.
وقالت إن المجتمعات المحلية، بما فيها لجان الأحياء والجيران، تحاول سد الفجوات في الرعاية، لكنها لا تستطيع تحمل المسؤولية وحدها في ظل اتساع نطاق النزوح وتزايد الاحتياجات الإنسانية.
وفي تفسيرها لضعف حضور كبار السن في الاستجابة الإنسانية، أوضحت أن آليات توزيع المساعدات غالبًا ما تعتمد على قدرة المستفيدين على الوصول إلى نقاط التوزيع والوقوف في الطوابير لساعات، وهو ما يستبعد عمليًا المسنين الذين يعانون من صعوبات الحركة والأمراض المزمنة.
وشددت على ضرورة تبني تدخلات إنسانية تراعي احتياجات هذه الفئة، تشمل توفير خدمات صحية متنقلة تصل إلى أماكن إقامتها، وتوزيع المساعدات الغذائية والدوائية بصورة مباشرة على غير القادرين على الحركة، بالتنسيق مع اللجان المجتمعية التي يمكنها تحديد الحالات الأكثر احتياجًا.
كما دعت إلى توفير برامج للدعم النفسي والاجتماعي للمسنين الذين فقدوا أبناءهم وأفراد أسرهم، وتعزيز جهود إعادة الروابط الأسرية ولمّ شمل المفقودين بذويهم، إلى جانب دعم دور رعاية المسنين وتوفير وسائل النقل والإمكانات اللازمة لضمان وصول المقيمين فيها إلى الخدمات الصحية.
