Monday, August 24, 2026

Sudan Tribune

Plural news and views on Sudan

بعيداً عن المخيمات.. سودانيون يصارعون قسوة المعيشة والنزوح

نازحون في مستوصف "أطباء بلا حدود" ببورسودان - -صورة لـ MSF

أم درمان/ كسلا/ الجزيرة 23 أغسطس 2026 – تواجه مئات الأسر السودانية أصنافاً قاسية من المعاناة بعد اختيارها الحياة بعيدًا عن المخيمات ومراكز اللجوء الرسمية، حيث وجدت نفسها تكابد يوميًا الأزمات الناجمة عن غلاء المعيشة، وفقدان مصادر الدخل، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية كالعلاج والتعليم والمياه الصالحة للشرب.

وتظهر شهادات ميدانية وإحصاءات أممية حديثة التحديات الصحية والإنسانية المركبة التي تلاحق الفئات الأكثر هشاشة، لا سيما النساء الحوامل والأمهات المعيلات، بالتوازي مع المخاطر التي تجابه ملايين العائدين إلى مناطقهم الأصلية المدمرة، في ظل انهيار المنظومة الصحية وندرة التمويل الإغاثي للمجتمعات المضيفة.

غادرت “سارة” مدينة الحصاحيصا بولاية الجزيرة برفقة أسرتها هربًا من القتال، حاملةً بعض الملابس والمقتنيات الضرورية على أمل العودة السريعة فور انحسار الخطر.

استقر المقام بسارة وأسرتها في مدينة أم درمان، حيث تقطن حاليًا في مسكن متواضع مع عائلتها، دون أن تكون مدرجة ضمن أي مخيم أو مركز إيواء رسمي.

تقول سارة—وهو اسم مستعار لحماية هويتها—لـ «سودان تربيون» إن الأسرة لجأت في بادئ الأمر إلى أقارب قبل أن تتدبر مكانًا مستقلًا للإقامة.

وتضيف: “عندما غادرنا الحصاحيصا لم نكن ندرك وجهتنا بدقة؛ أخذنا ما تيسر من ملابس ومستلزمات ضرورية وتركنا معظم ممتلكاتنا خلفنا. اعتقدنا أن الغياب لن يتعدى بضعة أيام، لكن الرحلة امتدت لأشهر طويلة”.

نازحة عائدة إلى حي في الخرطوم  يحيطه الدمار الكامل – IOM Sudan 2025

وتؤكد سارة أن الاستقرار في أم درمان لم يضع حدًا لمعاناة عائلتها، موضحة: “تكاليف المعيشة هنا باهظة في ظل انعدام أي دخل مالي ثابت. نحتاج يوميًا للغذاء ومياه الشرب والمواصلات، وتتضاعف الأزمة فور مرض أحد أطفالنا، إذ يتطلب العلاج والتنقل أموالًا تفوق قدرتنا”.

وتتابع: “لا نطلب مستحيلًا، بل نبحث عن ملاذ آمن يكفل لنا إطعام صغارنا ومواصلة تعليمهم”.

تعكس قصة سارة وجهًا خفيًا من أزمة النزوح في السودان، حيث تفضل آلاف العائلات الإقامة خارج المعسكرات لدى أقارب أو في منازل مستأجرة ومبانٍ غير مكتملة، معتمدين كليًا على التكافل الاجتماعي والمساعدات الإنسانية الشحيحة.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في السودان خلال عام 2026، من بينهم 21 مليون نسمة بحاجة ماسة لخدمات الرعاية الصحية، وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الطبية بفعل النزاع ونقص الإمدادات والتمويل والكوادر.

كما تكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة عن وجود نحو 8.88 مليون نازح داخليًا، في مقابل 4.24 مليون عائد إلى مناطقهم الأصلية، وفقًا لإحصاءات الفترة بين أبريل ومايو 2026.

غير أن الرجوع إلى الديار لا يعكس بالضرورة استعادة مقومات الاستقرار السابقة؛ إذ عاد ملايين السكان في الخرطوم والجزيرة إلى مدن طالها دمار واسع وتفتقر للخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وتعليم وفرص عمل.

وتحذر المنظمات الدولية من خطر إضافي يهدد العائدين، يتمثل في مخلفات الحرب والمقذوفات غير المنفجرة داخل الأحياء السكنية.

مريم.. تحديات الحمل في غياب الرعاية

وفي أم درمان أيضًا، تصارع “مريم”—النازحة من مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان—متاعب الحمل وحاجتها الدورية إلى الرعاية الطبية في ظل عوائق النزوح وتكاليف المواصلات المرتفعة.

تقول مريم لـ «سودان تربيون»: “كنت قبل اندلاع الحرب قادرة على الوصول إلى الطبيب ومتابعة مراحل الحمل بانتظام. أما اليوم فأصبح الأمر غاية في الصعوبة لعجزي في كثير من الأحيان عن توفير نفقات التنقل إلى المراكز الصحية المتبقية”.

وتتزايد مخاوف مريم مع اقتراب موعد المخاض: “أخشى مباغتة آلام الولادة في وقت يتعذر فيه توفير وسيلة نقل، أو الوصول إلى مركز طبي يفتقر للتجهيزات المنقذة للحياة؛ خوفي لا يقتصر على نفسي فقط، بل يشمل مصير جنيني أيضًا”.

وتسترسل: “تتطلب فترة الحمل التغذية والراحة والمتابعة المستمرة، وهي عوامل تنعدم تمامًا في بيئة النزوح. يشغلني تدبير ثمن العلاج عن أي متطلب آخر تجنبًا لمضاعفات خطيرة قد تطرأ فجأة”.

وتوضح تقديرات منظمة الصحة العالمية أن ما لا يقل عن 803 آلاف امرأة حامل يحتجن لخدمات صحة إنجابية عاجلة خلال عام 2026 بالتزامن مع توقع 1.1 مليون ولادة، في وقت خرجت فيه 37% من المرافق الصحية في عموم البلاد عن الخدمة.

من جهته، حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن نحو مليون سيدة حامل في السودان محرومات تمامًا من الرعاية اللازمة جراء استهداف المشافي وشح الأدوية والكوادر المؤهلة.

أمينة.. فقدان سبل العيش

وفي منطقة الحاج يوسف بمحلية شرق النيل، تبذل “أمينة”—النازحة من مدينة سنجة بولاية سنار—جهودًا مضنية لإعالة صغارها عقب فقدان مصدر رزقها الأساسي.

تروي أمينة لـ «سودان تربيون» قصتها قائلة: “كان هاجسي الأكبر أثناء الفرار من سنجة هو تأمين حياة أطفالي بأي ثمن، دون التفكير في كيفية تدبير الغد؛ الأهم كان الوصول إلى بر الأمان”.

وتتابع: “لكن الأمان المجرد لا يطعم جائعًا؛ فالحياة هنا تتطلب سيولة نقدية ونحن خسرنا مصادر دخلنا بالكامل. نضطر يوميًا لترتيب الأولويات وحساب كل قرش لتأمين الحد الأدنى من الغذاء وبدل الإيجار والعلاج”.

وتعبر عن قلقها البالغ حيال انقطاع أطفالها عن مقاعد الدراسة: “لا يستوعب الأطفال تبدل نمط حياتهم بصورة مفاجئة؛ جل ما يريدونه هو الأمان والطعام والعودة لمدارسهم، وهو ما يضع على عاتقي حملًا ثقيلًا يفوق طاقتي ومواردي المحدودة”.

وتفيد التقديرات الأممية بأن أكثر من 21 مليون شخص في السودان يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، وتفاقم مخاطر سوء التغذية والأوبئة الفتاكة في بؤر النزوح.

هدى.. رحلة من الفاشر إلى كسلا

ومن أقصى الغرب إلى الشرق، تجسد قصة “هدى”—التي فرت من الفاشر بولاية شمال دارفور إلى كسلا—معاناة النزوح الممتد وصعوبة البدء من جديد.

تقول هدى: “غادرنا منازلنا ومقتنياتنا التي جمعناها عبر سنين طويلة دون معرفة ما يخبئه لنا الغد. بعد زوال خطر الرصاص، برز التحدي الحقيقي المتمثل في تأمين تكاليف البقاء وإعادة بناء كل شيء من الصفر”.

وتضيف لـ «سودان تربيون»: “كنا نأمل أن تكون الإقامة مؤقتة، غير أن الواقع فرض علينا مكوثًا طويلًا في مكان لا يشبه بيوتنا. يسيطر عليّ القلق من أن ينشأ أبناؤنا دون إدراك لمعنى الاستقرار، ويبقى أملنا الوحيد وقف الحرب والعودة أو العيش بكرامة”.

أبعاد الأزمة خارج مراكز الإيواء

تسلط هذه الشهادات الحية الضوء على واقع شريحة واسعة من النازحين ممن سقطوا من حسابات مراكز الإيواء الرسمية، حيث تعاني هذه الأسر لتأمين المأوى والوظائف والخدمات دون شمولهم بصورة منتظمة في قوافل الإغاثة الإنسانية.

وتتحمل المدن الحاضنة للنازحين أعباءً خدمية مضاعفة أنهكت بناها التحتية المتهالكة، في ظل انتشار متزامن لأوبئة خطيرة مثل الكوليرا وحمى الضنك والملاريا والحصبة.

وتواجه منظمات الإغاثة عوائق مركبة تتعلق بمحدودية التمويل الدولي وصعوبات الوصول الميداني إلى المتضررين، في حين يؤكد مسؤولو المنظمة الدولية للهجرة أن خطط التدخل تتطلب دعمًا متوازيًا للمجتمعات المضيفة والعائدين على حد سواء.

لم يعد النزوح في السودان يقتصر على حدود الخيام، بل يمتد ليشمل عائلات مستضافة، وأمهات حوامل يفتقدن الدواء، وأسرًا عادت قسرًا إلى منازل مدمرة لعجزها عن تحمل كلفة النزوح، مما يجعل معالجة الأزمة مرتبطة بالتعافي الشامل وتوفير الخدمات وحماية المدنيين لضمان بداية حقيقية لحياة جديدة.