تهاوي الجنيه السوداني يُشعل أسعار السلع ويُعمّق الأزمة المعيشية
الخرطوم 6 سبتمبر 2026 – تفاقمت الأزمة المعيشية في السودان مع الارتفاع المستمر في أسعار السلع الضرورية، مدفوعاً بتدهور قيمة العملة المحلية واستمرار تداعيات الحرب على الأسواق وحركة التجارة والإمداد، ما ضاعف الضغوط على الأسر التي تواجه تراجعاً في قدرتها الشرائية ودخولاً محدودة أو غير منتظمة.
وتسارعت وتيرة ارتفاع الأسعار خلال الأسابيع الماضية، بالتزامن مع تراجع قيمة الجنيه السوداني رغم قرار بنك السودان المركزي منح المصارف مرونة أكبر في تحديد أسعار الصرف وشراء حصائل الصادر وفقاً لحركة العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي.
وانعكس التغير في سوق الصرف سريعاً على تكلفة السلع والخدمات، خصوصاً المستوردة منها، في ظل اعتماد الاقتصاد السوداني بدرجة كبيرة على الواردات، بينما أسهم ارتفاع تكاليف النقل والوقود واضطراب طرق التجارة في زيادة تكلفة وصول السلع إلى المستهلكين.
وأظهر رصد لمعهد بحوث سياسات الغذاء الدولي خلال يوليو 2026 ارتفاع أسعار معظم مجموعات السلع الأساسية، إلى جانب تراجع توافر عدد من السلع في الأسواق.
خيارات صعبة
تقول أميرة محمد، ربة منزل من أم درمان، إن ارتفاع الأسعار دفع أسرتها إلى تقليل مشترياتها والاكتفاء بالسلع الضرورية.
وذكرت أميرة لـ«سودان تربيون» أن سعر كيلو السكر بلغ 7 آلاف جنيه، فيما بلغ رطل اللبن 3 آلاف جنيه، ووصل سعر كيلو اللبن البودرة إلى 45 ألف جنيه، بينما بلغ سعر لتر الزيت 17 ألف جنيه وكيلو الدقيق نحو 5 آلاف جنيه.
وأشارت إلى أن ارتفاع الأسعار ضاعف معاناة أسرتها المكونة من سبعة أشخاص، موضحة أنها لم تعد قادرة على شراء هذه السلع بصورة يومية.
وأضافت بنبرة حزينة: «أصبحنا نواجه الجوع يومياً، ونتوقع الموت في أي لحظة بسببه».
أما محمد أحمد، موظف من الخرطوم، فيقول إن دخله لم يعد يواكب الزيادة في تكاليف المعيشة.
وأوضح لـ«سودان تربيون» أن راتبه البالغ 500 ألف جنيه لا يكفي لشراء المستلزمات الضرورية، خاصة أن أسرته تتكون من أربعة أطفال إلى جانب زوجته.
بينما تقول سارة عبد الله، وهي عاملة في القطاع الخاص، إن ارتفاع تكاليف المواصلات والغذاء أصبح يستهلك جزءاً كبيراً من دخلها.
وأوضحت لـ«سودان تربيون» أنها تحتاج إلى نحو 5 آلاف جنيه يومياً للمواصلات، إضافة إلى 6 آلاف جنيه لوجبة الإفطار أثناء العمل.
الحرب ترفع تكاليف وصول السلع
ويرتبط ارتفاع الأسعار بعوامل متعددة، من بينها اضطراب طرق التجارة، وارتفاع تكاليف النقل والوقود، وتراجع الإنتاج في المناطق المتضررة من الحرب، إلى جانب تأثيرات سعر الصرف.
وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة تكلفة وصول السلع إلى الأسواق، في وقت تواجه فيه الأسر ضغوطاً متزايدة بسبب تراجع قدرتها الشرائية.
ويقول عبد الرحمن عثمان، تاجر مواد غذائية في سوق أم درمان، إن ارتفاع تكاليف الشراء والنقل يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء زيادة أسعار السلع.
وأكد لـ«سودان تربيون» أن تذبذب سعر صرف العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار، يمثل عاملاً رئيسياً في تحديد الأسعار، إلى جانب تغير تكاليف النقل وتلف البضائع ونقص المعروض.
الغلاء يغيّر عادات الأسر
ولا يقتصر أثر ارتفاع الأسعار على ميزانية الأسرة، بل يمتد إلى نوعية الغذاء وعدد الوجبات والإنفاق على الصحة والتعليم والمواصلات.
ويقول إبراهيم حسن، وهو عامل باليومية، إن دخله اليومي لم يعد يمكنه من شراء احتياجاته الأساسية مقارنة بما كان يستطيع شراءه قبل الحرب، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخول.
ويرى اقتصاديون أن خطورة الوضع لا تكمن في ارتفاع الأسعار وحده، وإنما في تزامنه مع تراجع فرص العمل والدخل، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين قدرة الأسر على الكسب وتكلفة احتياجاتها.
تدهور مستمر في قيمة الجنيه
وفي السياق، قال الخبير الاقتصادي عادل خلف الله إن استمرار الحرب في السودان يرتبط بصورة مباشرة بتدهور سعر صرف العملة الوطنية، وما يترتب عليه من ارتفاع متواصل في أسعار السلع والخدمات، مشيراً إلى أن نحو 80% من السلع الأساسية في البلاد تعتمد على الواردات.
وأوضح خلف الله لـ«سودان تربيون» أن سعر صرف الجنيه مقابل الدولار تراجع من نحو 590 جنيهاً في 15 أبريل 2023 إلى 4,500 جنيه في أبريل 2025، ثم إلى 5,300 جنيه في أبريل 2026، قبل أن يبلغ نحو 7,200 جنيه في سبتمبر الحالي.
وقال إن هذا التدهور انعكس على أسعار السلع والخدمات، خاصة الخبز والمحروقات والنقل والمواصلات والأدوية والإيجارات، بالتزامن مع تراجع القيمة الحقيقية للأجور والمرتبات وارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج.
وضرب مثالاً على تآكل القوة الشرائية للجنيه، قائلاً إن ألف جنيه كانت تكفي قبل الحرب لشراء نحو 20 رغيفة من الخبز، بينما لا تكفي القيمة نفسها حالياً إلا لشراء رغيفين إلى ثلاثة أرغفة.
وأشار خلف الله إلى عوامل أخرى تسهم في عدم استقرار الأسعار وتصاعدها، من بينها الزيادات المتواصلة في الضرائب المباشرة وغير المباشرة، موضحاً أن الفئات الجمركية عُدلت سبع مرات منذ أبريل 2026.
كما أشار إلى تأثير ارتفاع أسعار المحروقات على تكلفة الإنتاج المحلي والنقل، إلى جانب تنامي المضاربات والاحتكار، موضحاً أن المضاربات امتدت من النقد الأجنبي إلى السلع الأساسية والذهب والمحاصيل والسيارات وقطع الغيار.
سياسة الصرف تحت المجهر
وذكر خلف الله أن منشوراً لمحافظ بنك السودان المركزي أسهم، وفق تقديره، في زيادة مرونة سعر الصرف، بعد الانتقال من نظام «المرن المدار» إلى «الحر شبه المطلق»، عبر السماح للبنوك بتعديل أسعار الصرف أكثر من مرة خلال اليوم.
وقال إن هذه السياسة تُفهم عملياً باعتبارها تعويماً غير معلن لسعر الصرف، تتحكم فيه قوى العرض والطلب في ظل اختلال واضح في جانب العرض، مقابل تنامي الطلب على النقد الأجنبي.
وأضاف أن استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي والذهب لدى البنك المركزي يمثل عاملاً آخر يضغط على قيمة العملة الوطنية، مشيراً إلى تقديرات بنك التنمية الأفريقي التي تفيد بأن احتياطيات السودان لا تغطي أكثر من 1.1 شهر من الواردات، في وقت يُقدر فيه التضخم بنحو 150%.
وحذر خلف الله من أن استمرار تدهور سعر الصرف بالمعدلات الحالية يعكس عمق الأزمة الاقتصادية، وقال إن التعامل معها يتطلب الاعتراف بجذورها بدلاً من تجاهلها أو التقليل من آثارها.
وأكد أن وقف الحرب عبر التفاوض يمثل، في تقديره، المدخل الأساسي لمعالجة الأزمة الاقتصادية، بما في ذلك استقرار سعر الصرف.
وقال إن استمرار تدهور العملة يجعل استقرار سعر الصرف، ناهيك عن تحسنه، أمراً بالغ الصعوبة في ظل استمرار الحرب والسياسات المرتبطة بها وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
وأضاف أن عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب تظل أمراً بعيد المنال ما لم تتوقف الحرب ويعم السلام.
