Tuesday, September 15, 2026

Sudan Tribune

Plural news and views on Sudan

تراجع قياسي للجنيه السوداني وضغوط من شركات الوقود على السوق الموازية

العملة السودانية تهبط الى مستوى غير مسبوق أمام سلة العملات الأجنبية

الخرطوم 15 سبتمبر 2026- استمر الجنيه السوداني في تراجعه الحاد أمام العملات الأجنبية، في ظل اتساع الطلب على النقد الأجنبي وتراجع موارد العملات الصعبة، واضطر عدد من تجار السوق الموازية لوقف عمليات البيع بعد قفزات متسارعة في أسعار الصرف.

ويشهد الجنيه منذ أسابيع تراجعاً غير مسبوق، بالتزامن مع منح بنك السودان المركزي المصارف مرونة أكبر في تحديد أسعار الصرف وشراء حصائل الصادر، وهو ما انعكس على ارتفاع أسعار العملات الأجنبية، ودفع بموجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

وقال متعاملون لـ«سودان تربيون» إن سوق النقد الأجنبي شهد خلال الساعات الأخيرة ارتفاعاً حاداً في الطلب، مشيرين إلى تسجيل الدولار الواحد أكثر من 8 آلاف جنيه.

وبلغ سعر بيع الدرهم الإماراتي نحو 2,150 جنيهاً، والريال السعودي بين 1,970 و2,000 جنيه، فيما سجل الجنيه المصري نحو 150 جنيهاً، وبلغ اليورو  حوالي 8,665 جنيهاً.

وبدا الفارق كبيراً بين الأسعار الرسمية للعملات والسوق الموازية، حيث أفادت نشرة بنك الخرطوم لتعاملات اليوم الثلاثاء ببيع الدولار الأمريكي بـ 4,231.50، والريال السعودي بـ 1,137.50، والدرهم الإماراتي بـ 1,159.32، بينما سجل الجنيه المصري 81.63 واليورو 4,795.14.

شركات الوقود تضغط على السوق

وأرجع المتعاملون جانباً من الارتفاع الأخير إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي من شركات الوقود، مشيرين إلى وجود بواخر محملة بالمواد البترولية تنتظر التفريغ، ما دفع بعض الشركات إلى البحث عن العملات الأجنبية لتوفير احتياجاتها من السوق الموازية.

وأضافوا أن حجم شراء النقد الأجنبي من شركات الوقود ارتفع بصورة ملحوظة خلال اليومين الماضيين، الأمر الذي دفع بعض المواطنين إلى الاحتفاظ بأموالهم بدلاً من بيعها، تحسباً لمزيد من التراجع في القيمة الشرائية للجنيه.

وكان وكيل وزارة النفط كشف، الأحد، خلال لقاء مع والي الخرطوم، عن توفر كميات من المواد البترولية ووصولها إلى الموانئ الرئيسية، مشيراً إلى تحرك شاحنات في طريقها إلى ولاية الخرطوم.

وقال إن الكميات المنقولة من شأنها الإسهام في معالجة الاختناقات الحالية وتخفيف التكدس أمام محطات الوقود، بينما أرجع تأخر عمليات استيراد الوقود خلال الفترة الماضية إلى الارتفاعات التي طرأت على الأسعار، إلى جانب تحرك سعر الصرف، وهو ما انعكس على حجم الإمداد وأدى إلى ظهور الاختناقات الحالية.

المستوردون يهاجمون السياسات الاقتصادية

وفي غضون ذلك، شنت الغرفة القومية للمستوردين هجوماً حاداً على اللجنة الاقتصادية برئاسة مجلس الوزراء، متهمة إياها بالانشغال بإجراءات لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية.

وقال رئيس الغرفة، الصادق جلال الدين صالح، في بيان الثلاثاء، إن اللجنة الاقتصادية «ترفع شعارات زائفة»، بينما يواصل الجنيه السوداني انهياره أمام العملات الأجنبية.

وأشار إلى أن الدرهم الإماراتي كان دون 1,600 جنيه عند انعقاد أول اجتماعات اللجنة، بينما تجاوز حالياً 2,080 جنيهاً، معتبراً أن الحديث عن مكافحة التهريب وضبط السجلات التجارية وزيادة الإنتاج والإنتاجية وإضافة قيمة للصادرات، إلى جانب التوسع الضريبي، لا يمكن أن يحقق أهدافه دون إصلاح بيئة الإنتاج.

وقال جلال الدين إن هذه الأهداف «لا تتحقق بكبسة زر»، وإنما تحتاج إلى تخطيط علمي وعمل حكومي يوفر الطاقة والكهرباء الرخيصة والبنية التحتية والنقل والتمويل وسياسة جودة وطنية وبيئة إنتاج مستقرة، منتقداً ما وصفه بعجز الموازنة المزمن الذي يدفع الحكومة إلى زيادة الجمارك والضرائب والرسوم والجبايات.

وأضاف أن الحكومة تعمل على معالجة نتائج الأزمة بينما تترك أسبابها، معتبراً أن سوء الأداء الاقتصادي يتحمل رئيس الوزراء مسؤوليته، ومشيراً إلى مذكرة سبق أن قدمتها الغرفة لرئيس الوزراء بشأن حظر السلع.

وأوضح أن حظر السلع لا يلغي الطلب عليها، وإنما ينقل تلبيته إلى التهريب والسوق غير الرسمي، بما يؤدي إلى اتساع التهرب الضريبي وإهدار إيرادات الدولة، قائلاً إن الأسواق «مليئة بالسلع المحظورة».

تحذير من استمرار حظر السلع

وقال رئيس الغرفة إن حظر السلع لا يعالج سعر الصرف، بل يؤدي إلى ارتفاع الأسعار والتضخم وتقليل الإيرادات العامة وتوسيع عجز الموازنة، مضيفاً أن تمويل العجز بالاستدانة من النظام المصرفي يزيد الضغوط على الجنيه ويسرع وتيرة تدهوره.

وأشار إلى أن الدولار كان يعادل نحو 4,100 جنيه عند صدور قرار حظر السلع، بينما وصل حالياً إلى نحو 7,600 جنيه.

وانتقد كذلك توجه الحكومة لفتح مراكز للبيع المخفض، معتبراً أن خفض الأسعار لا يمكن تحقيقه بقرار إداري في ظل ارتفاع تكلفة السلع نتيجة تراجع قيمة الجنيه وزيادة الدولار الجمركي والضرائب والرسوم الحكومية والتكاليف المصاحبة.

وقال إن معالجة التكلفة هي المدخل الطبيعي لانخفاض الأسعار، مضيفاً أن حظر السلع لا يمكّن المنتج الوطني من زيادة إنتاجيته أو خفض تكلفته أو بناء قدرة تنافسية.

وأضاف أن استخدام الحظر بديلاً عن إصلاح بيئة الإنتاج «لا يحمي الإنتاج الوطني بل يعمق أزمته».

انتقادات لنظام مراقبة الواردات

وتطرق جلال الدين إلى نظام مراقبة الواردات والصادرات، قائلاً إن الغرفة سبق أن حذرت رئيس مجلس الوزراء كتابة من مخاطر إسناد بيانات الاستيراد إلى جهة أجنبية، وقدمت مذكرة بشأن الآثار الاقتصادية والأمنية للنظام.

وتساءل عما إذا كان اتجاه الحكومة حالياً إلى نظام وطني لمراقبة الواردات والصادرات يعني اكتشافها «سوء وخطورة» تطبيق النظام عبر شركة أجنبية، مطالباً في هذه الحالة بالإعلان صراحة عن إلغاء نظام ACD. وأكد أن معالجة سعر الصرف لا تتم بالشعارات أو القرارات الإدارية، وإنما من خلال إدارة الطلب على النقد الأجنبي ومنع المضاربة وزيادة موارد العملات الأجنبية وعرضها.

وقال إن بعض قرارات الحكومة أسهمت في تقليص العرض بدلاً من زيادته، الأمر الذي أدى إلى زيادة الضغوط على الجنيه.

وكشف جلال الدين عن اعتزام الغرفة التقدم بصورة عاجلة إلى رئيس مجلس السيادة بمذكرة مفصلة تتناول أزمة سعر الصرف وتقترح حلولاً عملية لمعالجتها.

تحذير من تكرار تجربة 2018

وحذر رئيس الغرفة من أن السياسات الاقتصادية الحالية تعيد إنتاج النهج الذي اتُبع في عام 2018، بما في ذلك حظر السلع وزيادة الدولار الجمركي وسياسات الصرف، معتبراً أن تلك الإجراءات قادت آنذاك إلى أزمة معيشية خانقة كان من أبرز مظاهرها انعدام الخبز، وأسهمت في اندلاع الاحتجاجات التي أطاحت بنظام الإنقاذ. وقال إن المخاطر الحالية أكبر والظروف أشد قسوة، في ظل استمرار الحرب والانهيار الاقتصادي والضغوط المعيشية غير المسبوقة، متسائلاً عن جدوى الاستمرار في التعامل مع الأزمة بالسياسات ذاتها.

ودعا إلى تدخل فوري وتكوين فريق عمل من خارج اللجنة الاقتصادية ينعقد على مدار الساعة لمراجعة القرارات الاقتصادية، قبل تحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية يصعب احتواؤها.

خلية لمعالجة أزمة الصرف

وكانت السلطات السودانية قد قررت نهاية أغسطس تشكيل خلية لإدارة قضايا سعر الصرف وآثارها، برئاسة وزير المالية وعضوية عدد من الجهات المختصة، بهدف تقديم حلول عاجلة لمعالجة الارتفاع المتسارع في أسعار العملات الأجنبية.

وقال إعلام مجلس الوزراء إن اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد عقدت اجتماعها الثالث برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس، وناقشت تراجع سعر صرف العملة الوطنية وانعكاساته على الأوضاع المعيشية للمواطنين.

وتأتي هذه التحركات في وقت تتفاقم فيه الضغوط الاقتصادية والمعيشية، مع استمرار تراجع الجنيه وارتفاع أسعار الغذاء ومواد البناء والخدمات، بالتزامن مع اضطرابات وتوقف في بعض التطبيقات المصرفية، ما انعكس على حركة البيع والشراء وزاد حالة الارتباك في الأسواق.