بنك السودان يسرّع إصدار أوراق مالية لتمويل عجز الموازنة وسط جدل اقتصادي
الخرطوم 11 أكتوبر 2026- أعاد توجّه بنك السودان المركزي نحو تسريع إصدار أوراق مالية حكومية جديدة لتمويل عجز الموازنة وإدارة السيولة، الجدل بشأن قدرة هذه الأدوات على إنعاش الأسواق المالية واستقطاب المدخرات في ظل الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها البلاد، لا سيما بعد تعثر استحقاقات بعض الإصدارات السابقة خلال الحرب.
ويرى خبراء مصرفيون وماليون أن الإصدارات الجديدة يمكن أن تمثل أداة مهمة لامتصاص السيولة المتداولة وتوجيه المدخرات نحو تمويل عجز الموازنة والمشروعات التنموية، بدلاً من الاعتماد على التمويل النقدي المباشر، لكنهم يشددون على أن نجاح الخطوة يرتبط بقدرة الجهات المصدرة على الوفاء بالتزاماتها، وتقديم عوائد جاذبة، وتعزيز الثقة في الأوراق المالية الحكومية، إلى جانب التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية.
وتأثرت شركة السودان للخدمات المالية المحدودة وإصداراتها من شهادات المشاركة الحكومية «شهامة» بشدة جراء الحرب التي اندلعت في أبريل 2023؛ إذ واجه المستثمرون، ولا سيما أصحاب المعاشات والأرامل، صعوبات ومخاطر مرتبطة بتأخر سداد أرباح واستحقاقات الشهادات في مواعيدها المحددة، في ظل تعثر قدرة وزارة المالية وبنك السودان المركزي على الوفاء بتلك الالتزامات.
وتُعد شركة السودان للخدمات المالية المحدودة (SFSC) شركة مملوكة لبنك السودان المركزي بنسبة 99%، ووزارة المالية بنسبة 1%.
توجيهات بإصدارات جديدة
وبحسب بيان صحفي لبنك السودان المركزي، فإن مجلس إدارة شركة السودان للخدمات المالية المحدودة عقد السبت اجتماعه الدوري للربع الثالث من العام 2026، بمباني رئاسة البنك المركزي في الخرطوم، برئاسة آمنة ميرغني حسن التوم، محافظ بنك السودان المركزي ورئيس مجلس إدارة الشركة، وبحضور أعضاء المجلس.
ووجّه المجلس بالإسراع في إطلاق إصدارات جديدة من الأوراق المالية الحكومية، لاستخدامها في إدارة السيولة وتمويل عجز الموازنة، بالتنسيق مع وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي.
وناقش الاجتماع الإصدارات الجديدة باعتبارها إحدى أدوات السياسة النقدية لإدارة السيولة في الاقتصاد عبر عمليات السوق المفتوحة، إلى جانب إمكانية توظيف الأوراق المالية الحكومية في تمويل عجز الموازنة، على غرار شهادات «شهامة».
وذكر البنك المركزي، في بيان صادر عن إدارة الاتصال المؤسسي، أن اللجان المختصة أكملت أعمالها الفنية المتعلقة بالإصدارات الجديدة، الأمر الذي دفع المجلس إلى التوجيه بالإسراع في إطلاقها.
كما استعرض الاجتماع الخطوات الجارية لإصدار الشهادة الذهبية والصكوك الخاصة بالمصارف، إلى جانب تقرير الأداء المالي للشركة خلال الربع الثالث من العام الجاري، وموقف الإيرادات والمصروفات بنهاية سبتمبر الماضي.
وبحث المجلس مذكرة بشأن زيادة رأس مال الشركة، وأوصى بالموافقة عليها ورفعها إلى الجمعية العمومية لاستكمال إجراءات الإجازة النهائية.
أبو عامر: الإصدارات تنشّط الأسواق المالية
وقال المدير السابق لشركة السودان للخدمات المالية، خميس أبو عامر، لـ«سودان تربيون»، إن إطلاق إصدارات جديدة من الأوراق المالية الحكومية يمثل خطوة مهمة لاستئناف نشاط الأسواق المالية، من خلال استحداث أدوات مالية متنوعة تسهم في إدارة السيولة وتنفيذ السياسات المالية والنقدية، عبر التنسيق بين وزارة المالية وبنك السودان المركزي.
وأوضح أن أهمية هذه الأدوات تتمثل في ضخ السيولة في شرايين الاقتصاد عبر الاستدانة من الجمهور والجهاز المصرفي لتغطية عجز الموازنة، إلى جانب تمويل مشروعات تنموية في مجالات المياه والصحة والتعليم والبنية التحتية، من خلال استحداث صكوك استثمارية تستفيد من التجارب السابقة وتتجنب سلبياتها.
ورأى أن الخطوة يمكن أن تسهم في استعادة نشاط شركات الوساطة المالية والمكاتب الاستشارية، وإحداث حراك اقتصادي، مشيراً إلى إمكانية استخدام الشهادات الاستثمارية في تمويل عجز الموازنة، استناداً إلى تجارب سابقة، من بينها شهادات «شهامة».
لكنه أشار إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في طرح منتجات مالية ذات عائد مجزٍ يجذب المدخرات، مع التزام الجهات المصدرة بسداد الأرباح وأصل الأموال في المواعيد المحددة.
وأوضح أن إدراج الشهادات في سوق الخرطوم للأوراق المالية يمكن أن يتيح تداولها بيعاً وشراءً، بما يعزز جاذبيتها ويمنح المستثمرين مرونة أكبر في تسييل استثماراتهم.
الثقة وتحديد حجم السيولة
من جانبه، قال المحلل الاقتصادي هيثم محمد فتحي لـ«سودان تربيون» إن الهدف الأساسي لبنك السودان المركزي من إصدار هذه الشهادات يتمثل في إدارة السيولة المحلية في إطار تنفيذ السياسة النقدية، وتشجيع المصارف على استقطاب مزيد من الودائع إلى القطاع المصرفي.
وأوضح أن هذه الأوراق المالية تتيح للمصارف العامة والخاصة الحصول على الأموال من خلال طرح أدوات للاكتتاب يشتريها الأفراد والمؤسسات، مقابل عائد محدد ومتفق عليه، وفقاً لطبيعة الإصدار وشروطه.
ورأى فتحي أن نجاح هذه السياسة يواجه تحديات، أبرزها تراجع الثقة في الشهادات نتيجة تجارب سابقة، إلى جانب تراجع فاعلية أدوات السياسة النقدية في ظل انتشار المضاربات على العملات الأجنبية.
وشدد على ضرورة تحديد حجم النقد المتداول في السوق، خصوصاً مع ضخ البنك المركزي فئات نقدية جديدة وكبيرة، معتبراً أن معرفة حجم الكتلة النقدية تمثل شرطاً أساسياً لتحديد الأموال المستهدف سحبها عبر الإصدارات الجديدة، وتجنب نتائج عكسية قد تنجم عن سوء تقدير حجم السيولة.
واقترح دراسة إصدار شهادات إيداع بالعملات الأجنبية، بعوائد تنافسية من خلال المصارف العاملة، بما يساعد على التحكم في عرض النقد الأجنبي المتداول، واستقطاب مدخرات السودانيين في الخارج وإعادة توظيفها في الاقتصاد الوطني خلال المرحلة المقبلة.
تمويل العجز
ويرى فتحي أن طرح البنك المركزي سندات وأوراقاً مالية قصيرة أو متوسطة أو طويلة الأجل يمثل خطوة مهمة في المرحلة الراهنة، إذ يمكن أن يساعد في تمويل عجز الموازنة العامة وتمكين الحكومة من الوفاء بالتزاماتها المالية وتغطية النفقات الأساسية.
وأضاف أن هذه الخطوة قد تعزز الثقة بالسياسات الاقتصادية والمالية، وتوفر للقطاع المصرفي أدوات استثمارية بعوائد مجزية، بما يسهم في تنشيط العمل المصرفي وتوجيه السيولة من التداول غير المنضبط إلى استثمارات أطول أجلاً.
وأشار إلى أن الاكتتاب في الأوراق المالية الحكومية يمكن أن يسحب جزءاً من الكتلة النقدية المتداولة، ما قد يخفف الضغوط التضخمية ويدعم استقرار العملة المحلية، شريطة ألا يتحول التمويل إلى وسيلة لتدوير الدين أو زيادة الأعباء المالية على الدولة.
ولفت إلى أن التنسيق بين السياسة المالية للحكومة والسياسة النقدية للبنك المركزي يمكن أن يدعم الاستقرار الاقتصادي، ويساعد على تحسين سعر صرف العملة المحلية تدريجياً، إلى جانب دفع الإصلاحات الاقتصادية اللازمة لتعزيز النمو واستعادة التوازن المالي.
وأضاف أن العودة إلى أدوات الدين العام ليست تجربة جديدة على الاقتصاد السوداني، مشيراً إلى أن أذونات الخزانة أسهمت في فترات سابقة في امتصاص السيولة الفائضة ومنح البنك المركزي مساحة أكبر للتحرك في سوق الصرف.
الثقة والعائد
بدوره، قال المحلل المصرفي وليد دليل لـ«سودان تربيون» إن الخطوة إيجابية من حيث الاتجاه، لكن نجاحها مرهون بشروط التنفيذ، وفي مقدمتها فاعلية العائد، ومصداقية الضمانات، وانضباط السياسة المالية.
وأوضح أن تفعيل عمليات السوق المفتوحة يعيد إلى بنك السودان المركزي أداة غير مباشرة لإدارة السيولة، بدلاً من الاعتماد على الأدوات الإدارية المباشرة، مثل سقوف التمويل والاحتياطي القانوني.
وأضاف أن تمويل عجز الموازنة عبر الأوراق المالية الحكومية، على غرار شهادات «شهامة»، يمكن أن يكون أقل تضخماً من التمويل بالإصدار النقدي المباشر، لأنه يتيح امتصاص السيولة القائمة بدلاً من خلق سيولة جديدة، شريطة ألا يؤدي إلى توسع مفرط في الاقتراض الحكومي من الجهاز المصرفي.
وأشار إلى أن الصكوك الخاصة بالمصارف والشهادة الذهبية يمكن أن توفر أدوات استثمارية متوافقة مع الضوابط الشرعية، وتفتح المجال لربط الادخار بموارد حقيقية، وفي مقدمتها الذهب.
واعتبر أن انعقاد الاجتماع في الخرطوم وتوجيه المجلس بالإسراع في إصدار الأوراق المالية يعكسان عودة العمل المؤسسي، لكنه شدد على ضرورة معالجة عدد من التحديات لضمان فاعلية الإصدارات الجديدة.
وأوضح أن العائد الحقيقي يمثل أحد أبرز هذه التحديات؛ فإذا كان عائد الأوراق المالية أقل من معدل التضخم ومعدل تراجع الجنيه السوداني، فقد تتراجع رغبة المستثمرين والمصارف في الاكتتاب فيها.
كما حذر من أن استحواذ الحكومة على جانب كبير من سيولة المصارف قد يزاحم تمويل القطاعات الإنتاجية، خصوصاً في ظل تراجع الودائع وضعف النشاط الاقتصادي بعد الحرب.
وأكد أن تجربة شهادات «شهامة» تجعل وضوح الضمانات الحكومية والالتزام بجداول السداد عنصرين أساسيين لاستعادة ثقة السوق، محذراً من أن غياب الانضباط المالي قد يحوّل الإصدارات الجديدة إلى مجرد إعادة تدوير للدين العام.
وأشار إلى أن غياب سوق ثانوية نشطة لتداول الأوراق المالية يحد من جاذبيتها ويقلل فاعليتها أداةً لإدارة السيولة، كما أن إصدار الشهادة الذهبية يتطلب آلية تسعير شفافة وإجراءات للتحوط من تقلبات أسعار الذهب، حتى لا تنتقل المخاطر إلى البنك المركزي أو حاملي الشهادات.
وفيما يتعلق بزيادة رأس مال شركة السودان للخدمات المالية المحدودة، قال دليل إنها قد تعزز قدرة الشركة على أداء دورها، لكن تقييم أثرها يتطلب الإفصاح عن حجم الزيادة ومصادر تمويلها.
وأكد أن التوجه نحو أدوات السياسة النقدية غير التضخمية يمثل مساراً سليماً من حيث المبدأ، غير أن جدواه ستُقاس بمدى إقبال المصارف والجمهور على الإصدارات طوعاً، وبأثرها الفعلي في خفض التضخم وتحقيق الاستقرار في سعر الصرف، دون الإضرار بتمويل الأنشطة الإنتاجية.
