Thursday, October 22, 2026

Sudan Tribune

Plural news and views on Sudan

من بشريات أكتوبر 2020 إلى السقوط الحر في أكتوبر 2026

صورة تعبيرية

د. سليمان علي

أين كنا وأين وصلنا؟

ستة أعوام بين الأمل الذي كان يطرق أبواب السودان، وبين الواقع الذي يطرق أبواب السودانيين بالفقر والعجز وفقدان اليقين الوطني.

في العشرين من أكتوبر 2020، كتبنا ونحن نستقبل ذكرى الحادي والعشرين من أكتوبر، وكنا نرى في الأفق ملامح وطن يلتقط أنفاسه بعد عقود من الاختناق والحصار والعقوبات الدولية.

↔️ كان الانتقال منصة جديدة للبناء القومي:_

كان السودان يومها يخطو خطواته الأولى في مرحلة انتقالية مثقلة بالتحديات، لكنه كان يمتلك شيئًا جوهريًا: الأمل في أن تكون الثورة بداية لتأسيس دولة جديدة، وأن تتحول تضحيات الشهداء إلى واقع يلمسه الناس في معاشهم وحريتهم وكرامتهم.

كانت كلمات ذلك اليوم تحمل شيئًا من نشوة الانتصار؛ «يا أكتوبر الأرض تغني وباسمك الشعب انتصر، وحائط السجن انكسر». وكانت إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب إحدى العلامات البارزة التي استقبل بها السودانيون تلك المرحلة، باعتبارها نافذة للخروج من العزلة الدولية، واستعادة العلاقات الاقتصادية والمالية، وفتح الطريق أمام فرص جديدة للتعافي وإعادة بناء الدولة.

لم يكن السودان في عام 2020 دولة مكتملة العافية، ولم تكن أحوال الناس الاقتصادية مثالية، بل كانت الأزمات المعيشية والتضخم واختلالات الاقتصاد حاضرة بقوة. لكن الفارق أن البلاد كانت لديها فرصة سياسية للانتقال، وتوقعات بإصلاح المؤسسات، واستعادة الإنتاج، وبناء اقتصاد يخدم المواطنين بدلًا من أن يكون عبئًا إضافيًا على حياتهم.

أما اليوم، في أكتوبر 2026، فالسؤال الذي يفرض نفسه

كيف وصلنا إلى هنا؟

ستة أعوام كانت كافية لتكشف المسافة الهائلة بين الوعود التي حملتها المرحلة الانتقالية، والواقع الذي انتهى إليه السودان. تدهورت الحالة الوطنية إلى مستوى سحيق، وتآكلت القدرة الشرائية للعملة إلى حد باتت معه الدخول التي كانت توفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة عاجزة عن ملاحقة الأسعار. فقد الناس قيمة جهدهم وعرقهم، وأصبحت المرتبات أرقامًا على الورق، لا تعكس قدرة حقيقية على توفير الغذاء والدواء والسكن والتعليم.

لم تعد الأزمة مجرد ارتفاع في الأسعار، ولا مجرد انخفاض في سعر العملة. إنها أزمة اقتصاد فقد قدرته على حماية قيمة العمل، وأزمة دولة تراجعت قدرتها على تنظيم النشاط الاقتصادي وتوفير الخدمات وضمان الحد الأدنى من الاستقرار. حين يعمل الإنسان شهرًا كاملًا ثم يكتشف أن ما يتقاضاه لا يكفي احتياجات أسرته الأساسية، فإن الخلل يتجاوز ميزانية الأسرة إلى بنية الاقتصاد والسياسات التي تحكمه.

وفي الوقت الذي كان يفترض أن تتجه فيه البلاد إلى توسيع الإنتاج الزراعي والصناعي، وتطوير البنية التحتية، وتهيئة بيئة الاستثمار، اتسعت دائرة الفشل والانكماش الاقتصادي، وتراجعت قدرات قطاعات واسعة على العمل والإنتاج. وأصبح نشاط المضاربات في الأراضي والعملات، في ظل اختلالات السوق وانعدام الاستقرار، ملاذًا لبعض رؤوس الأموال، بينما تحمل المنتجون والمزارعون والعمال وأصحاب الأعمال الصغيرة كلفة الانهيار.

↔️ الحرب وعوامل سابقة لها تتحمل ما يجري الان؟

لقد انتقل السودان من سؤال كيفية استثمار الفرصة التي أتاحها الانفتاح الدولي؟ ،

إلى سؤال كيفية حماية ما تبقى من مقومات الحياة؟.

وبين السؤالين ضاعت سنوات ثمينة، وتراكمت الأزمات، وانفتح الباب أمام حرب مدمرة لم تكتفِ بإيقاف مسار الانتقال، بل ألحقت أضرارًا واسعة بالمؤسسات والأسواق وسبل العيش، ودفعت ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء وفقدان مصادر دخلهم.

ومع ذلك، فإن اختزال كل ما حدث في الحرب وحدها لا يقدم تفسيرًا كاملًا للمأساة. فالحرب كانت عاملًا مدمرًا ومسرّعًا للانهيار، لكنها جاءت فوق أرضية من هشاشة المؤسسات، وأزمة الحكم، وضعف بناء التوافق الوطني، وتعثر الإصلاح الاقتصادي، وعجز القوى السياسية عن تحويل شعارات الثورة إلى مشروع دولة تتجاوز صراعات السلطة ومصالح الجماعات.

هنا تكمن المأساة الحقيقية: لم تكن المشكلة في غياب الموارد، فالسودان بلد واسع الإمكانات الزراعية والحيوانية والمعدنية، ويمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا وموارد بشرية قادرة على الإسهام في نهضته. وإنما كانت المشكلة، ولا تزال، في كيفية إدارة هذه الموارد، وفي طبيعة السلطة التي تتحكم فيها، وفي غياب مشروع وطني يجعل الإنتاج أولوية، ويضع مصالح المواطنين فوق حسابات التمكين والاحتكار والصراع.

أين كنا وأين وصلنا؟

كان السودان في أكتوبر 2020 يتطلع إلى كسر العزلة، واستعادة موقعه في المجتمع الدولي، وفتح الطريق أمام التعافي الاقتصادي. أما في أكتوبر 2026، فإن السودانيين يواجهون تحديات البقاء، ويبحثون عن الأمن والغذاء والدواء ومصادر الرزق، بينما يحتاج الوطن إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإصلاح ما أفسدته سنوات الاختلال السياسي والاقتصادي.

كان الأمل أن تنكسر جدران العزلة، وأن تتسع أمام البلاد أبواب المستقبل. لكن ما حدث أن جدرانًا أخرى ارتفعت: جدران الحرب، والانقسام، والفقر، وانعدام الثقة، وتراجع القدرة على الحلم.

ولعل أكثر ما يستحق المراجعة اليوم هو أن إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب لم تكن، في حد ذاتها، مشروعًا للنهضة، بل كانت فرصة تحتاج إلى رؤية اقتصادية، واستقرار سياسي، ومؤسسات قادرة على تحويل الانفتاح الدولي إلى إنتاج وفرص عمل وتحسن في مستوى المعيشة. فالانفتاح لا يبني دولة بمفرده، ورفع القيود لا يعوض غياب السياسات، كما أن الشعارات الثورية لا تغني عن بناء المؤسسات.

↔️ كيف نضع الوطن في منصة انطلاق جديدة؟

إن استعادة الوطن، تحتاج إلى مشروع وطني طموح يعيد تعريف أولويات الدولة: حماية الإنسان، واستعادة المؤسسات، وإحياء الإنتاج، وإصلاح النظام المالي، وإعادة بناء الخدمات، وتوزيع السلطة والثروة بعدالة، وتأسيس حكم يستمد شرعيته من المواطنين وقدرته على خدمتهم.

وتحتاج هذه المهمة إلى مراجعة شجاعة لتجربة السنوات الماضية، لا بهدف تبادل الاتهامات أو تصفية الحسابات، وإنما لتحديد المسؤوليات ولفهم كيف تحولت فرصة تاريخية إلى مأساة وطنية، ولماذا عجزت القوى التي رفعت شعارات التغيير عن حماية المسار الذي بشرت به، وكيف تقدمت حسابات السلطة على مطلوبات حماية الثورة والانتقال الديمقراطي وبناء دولة كل السودانيين.

أكتوبر ليس مجرد ذكرى في التقويم السياسي السوداني، ولا أغنية تستعاد كل عام، بل هو سؤال متجدد عن معنى الثورة، وعن العلاقة بين تضحيات الشعب والنتائج التي يجنيها. وإذا كانت أكتوبر 1964 قد حملت وعدًا بالخلاص من الاستبداد، وكانت ديسمبر 2018 تعبيرًا عن تطلع جيل جديد إلى الحرية والسلام والعدالة، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نمنع تحول هذه التضحيات إلى مجرد صفحات في تاريخ وطن أضاع فرصه.

أين كانت البلد وأين وصلت؟

كان الحلم أن ينتقل السودان من العزلة إلى الانفتاح، ومن الاستبداد إلى الحكم المدني، ومن اقتصاد الأزمات إلى اقتصاد الإنتاج. واليوم، بعد ستة أعوام، نقف أمام سؤال أشد إيلامًا: كيف نحول ما تبقى من الوطن إلى بداية جديدة؟ ،

بدلًا من أن نترك الانهيار يكتب خاتمة الحلم؟

إن السودان لا يحتاج إلى استعادة صور أكتوبر 2020 وحدها، بل إلى استعادة المعنى الذي جعل السودانيين يؤمنون بأن التغيير ممكن. يحتاج إلى دولة لا تهدر قيمة العمل، ولا تبدد الموارد، ولا تجعل المواطن يدفع ثمن فشل النخب وصراعاتها. يحتاج إلى مشروع وطني يتجاوز الحرب، ويؤسس لسلام مستدام، واقتصاد منتج، وعدالة في توزيع السلطة والثروة، ومؤسسات تحمي الجميع دون استثناء.

فالمجد للشهداء لا يكون بترديد أسمائهم فحسب، وإنما ببناء الوطن الذي استشهدوا من أجله. والتقدم لا يقاس بما نعلنه من انتصارات، بل بما يستعيده المواطن من أمن وكرامة وقدرة على العيش.

أكتوبر الذي غنّى له السودان بالأمس، يجب أن يكون اليوم مناسبة لمراجعة المسار، ومواجهة الحقيقة، واستعادة الوطن من قبضة الحرب والفشل والانقسام.

فالسؤال الجوهري اليوم: هل نملك الإرادة لبناء سودان جديد؟ ،

أم سنظل نستهلك ذكريات الانتصارات بينما تتآكل مقومات الحياة أمام أعيننا؟