Monday, August 31, 2026

Sudan Tribune

Plural news and views on Sudan

رؤية مجددة للتفاكر

بروفيسور مهدي أمين التوم

كل متابع للشأن العام لا شك يُدرِك أن الشارع قد قال كلمته بوضوح تام ، و أنه قد أثبت رفضه لما حدث من تطورات إنقلابية ، و من إنتكاسة ثورية.. و كذلك أبان الشارع عدم رضائه عن ما سبق ذلك من تقاعس في إدارة الدولة، و ما عانته البلاد من مناورات و تجاذبات سياسية فردية ومؤسسية. ليس هذا فحسب ، بل إن الشارع أبدى تطلعاً مكتوماً لفتح صفحة جديدة تؤسس عملياً لحكمٍ مدنيٍ ديمقراطيٍ حقيقي، متحررٍ من أخطاء السنوات الاربع الماضية ، و من كل ما أدت إليه من سوء حالٍ و مآلٍ للوطن و المواطن في جوانب المعيشة و الأمن العام و الشخصي، و ما حدث من تقاعس و إهمال في مجالات التأمين الواجب لمسيرة ثورية أُرِيقت من أجلها دماء طاهرة ، و أُزهِقت في سبيلها أرواح شهداء أبرياء.

لقد أوصلتنا الحرب العبثية الحالية و ما فرضته من تشريد، و ما أحدثته من هزات مجتمعية و نفسية لم تستثني أحداً ، أوصلتنا في ظني إلى مرحلة وعي متقدمة و إلى ثورية عقلانية تجعل الكثيرين يدركون أن المطلوب للحفاظ علي ما تبقى من الوطن ، أرضاً و وجداناً ، أكبر و أعقد مما يمكن أن توفره المواكب وحدها. كذلك تبين للكثيرين أن التمترس حول الذات و الإنكفاء ، و التقديس المطلق للرؤى الذاتية ، ليس مجدياً . لقد أثبتت الأيام أن فردانية التنظيم ليست نهجاً مناسباً لحل أزمات البلاد المتصاعدة . كذلك وضح جلياً أن المواكب ،كوسيلة ضغط، مهمة جداً ، لكنها ليست كافية وحدها لإملاء المطلوب شعبياً و وطنياً . لا بد من تدعيمها بعمل سياسي متكامل و متوافق عليه ، تتمخض عنه قفزة ثورية جديدة أشد قوة و ضراوة، و أوضح رؤى و برامج . لكن لا بد من الإعتراف أن المطلوب لإعادة الزخم الثوري و لإنتشال الدولة من حفرة الحرب الحالية ، يتطلب بالضرورة مجموعة من توافقات ليست عصية ، إذا خلصت النوايا ، كما يتطلب إعداد وثائق سياسية و دستورية بديلة لوثائق الثورة التي دنسها العسكريون بإنقلابهم و حربهم ، و سكت المدنيون علي ما أصابها من تشويه و تعديات في جوبا ، و ما إعتراها من إضافات و إلغاءات مزاجية.

لهذا و لغيره مما أفرزته تطورات إنقلاب الخامس و العشرين من أكتوبر ، و ما هو قائم من حرب تدميرية في الخرطوم و دار فور و أجزاء اخرى ، و ما يبدو في الأفق من إرهاصات حرب أهلية ، فإني أعتقد أن الأمر يتطلب النظر بجدية و ثورية لما نحن فيه حالياً من مِحنَة وطنية تُهَدِّد بقاء السودان كوطن ، و تهدد السودانيين كأمة موحَّدة ذات تراث حضاري مشترك..

و الخطورة الماثلة تحتم تواضع الجميع، مقاومين و أحزاب و مجتمع مدني ، و تناديهم العاجل و الجمعي للم الشمل ، و للتحاور بعقل مفتوح تحت رايات شبابية ثورية قومية ، لمواجهة الواقع الردئ الماثل تحت رايات وطنية و قومية عامةتستهدف:-
1- توحيد قوى الثورة الأصلية، و توسيع ماعونها شبابياً و سياسياً و مجتمعياً، مع تأمينها من التغلغل الإنقاذي .
2-وضع ميثاق سياسي جديد يتراضى عليه الجميع، يستوعب تجربة السنوات الأربع الماضية ، و يأخذ في كامل الإعتبار الرؤى الثورية الشبابية ، و المستجدات المحلية و الإقليمية و العالمية.
3- وضع وثيقة دستورية جديدة تغطي ثغرات الوثيقة الحالية، و تُصَمَّم بحيث تكون القانون الأعلى للدولة خلال الفترة الإنتقالية.
4- تقييم و تقويم الوضع الدستوري لإتفاقية جوبا.
5- البحث في إمكانية الوصول إلى صيغة مُعَدَّلة من دستور عام 2005 تكون بمثابة مسودة لدستور دائم للبلاد يقره لاحقاً مجلس تشريعي ثوري ، و يجيزه الشعب عبر إستفتاء عام.
6- التوافق علي رئيس وزراء جديد يشبه الثورة و يقود البلاد خلال فترة إنتقالية، يُتَفَق عليها ،و بمجلس وزراء شبابي مستقل.

7- النظر في جدوى تكوين مجالس إستشارية للوزراء.
8-التوافق علي رمزية سيادة الدولة.
9- التوافق علي هيئة تشريعية شبابية الهوى و نوعية التكوين .
10 – وضع محاور أساسية يهتدي بها مجلس الوزراء في تصميم برامجه و سياساته الاقتصادية و الخارجية و المجتمعية.

ليت شباب الثورة بكل توجهاتهم ، و بكامل إستقلاليتهم من أي إرتباطات سياسية ضيقة ، يلتقطوا القفاز ، و يطوروا هذا الإطار بالحذف و الإضافة ،وفق رؤاهم الشبابية ،حتى و لو عبر لقاءات إسفيرية إذا تعذرت اللقاءات الميدانية للظروف الأمنية السائدة ، و بإذن الله سيجعلوا مما يخرجون به واقعاً عملياً يبدد ظلام السائد القبيح ، و يعيد الثورة الى المسار الذي يليق بها و بشهدائها الكرام و ليعودوا هم ليكونوا المحور و الأساس لكل ما تحتاجه و ما تقوم عليه ثورة ديسمبر المجيدة ، و لتتفرغ الأحزاب لشؤونها التنظيمية و لمراحل ما بعد الإنتقال.

و الله و الوطن من وراء القصد