Friday, September 18, 2026

Sudan Tribune

Plural news and views on Sudan

السودان في اختبار اتساع الصراع والاختناق الاقتصادي وشلل الإغاثة

صورة تظهر الدمار الذي لحق بمطار الخرطوم أثناء الحرب -أرشيفية

الخرطوم، 18 سبتمبر 2026 – تواجه الجهود الإنسانية والدبلوماسية في السودان اختباراً حرجاً مع استمرار التصعيد العسكري وتفاقم الأوضاع المعيشية، وسط تحذيرات أممية من انهيار قريب في سلاسل الإمداد الغذائي والخدمي خلال سبتمبر الجاري.

وتؤكد تقارير المنظمات الدولية أن نقص التمويل الحاد بات يهدد بتوقف المساعدات المقدمة لملايين النازحين واللاجئين، مما يضع البلاد على شفا كارثة إنسانية غير مسبوقة تتقاطع مع تعثر الحلول السياسية والاستثمارية على الأرض.

ويقول الخبير الاستراتيجي محمد الهادي إن النزاع المسلح دخل مرحلة استنزاف معقدة تتجاوز القدرات القدرة على الاحتواء المحلي.

وأشار الهادي في حديث لـ”سودان تربيون”  إلى أن غياب الإرادة السياسية يعمق القصور الإنساني ويضع المؤسسات القائمة أمام رهانات معقدة.

ويضيف أن تراجع الدعم الدولي يعود إلى تزاحم الأزمات العالمية وشكوك المانحين حول وصول المساعدات، وهو ما أدى لتقليص الميزانيات التشغيلية للمنظمات، تاركاً ملايين السودانيين دون غطاء إغاثي أدنى.

على الجانب السياسي، يرى الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية د. مصطفى صلاح، أن الحراك الدبلوماسي الحاضر يفتقر للآليات التنفيذية الملزمة، مما يجعل المقترحات الدولية مجرد محاولات لتهدئة مؤقتة لا تلامس جذور الأزمة العسكرية.

ويؤكد صلاح لـ”سودان تربيون” أن استمرار الانقسام في مواقف القوى الإقليمية يغذي حالة الاستقطاب الميداني، ويجعل من استعادة الاستقرار في المناطق الآمنة نسبياً أمراً بالغة الصعوبة، في ظل غياب رؤية سياسية شاملة وإطار موحد للحل.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه ولايات كردفان والنيل الأزرق موجات نزوح جديدة ناتجة عن تزايد حدة المواجهات المسلحة، بالتزامن مع سوء الأحوال الجوية والتغيرات المناخية التي فاقت معاناة العائلات الفارّة من مناطق القتال.

وتشير بيانات منظمة الهجرة الدولية وبرنامج الأغذية العالمي إلى احتياج عاجل لتمويل بمليارات الدولارات لتفادي إغلاق مراكز التوزيع الرئيسية، حيث أدى نقص الموارد إلى تخفيض الحصص الغذائية للأسر النازحة إلى أدنى مستوياتها.

ويمتد الأثر الاجتماعي لهذه الأزمة ليمس قطاعات الصحة والتعليم، حيث تعاني المستشفيات المتبقية في الخدمة من نقص حاد في الأدوية والكوادر المطببة، مما أدى لمعدلات قياسية في انتشار الأمراض والأوبئة الموسمية.

وتراجع سعر صرف الجنيه السوداني الأسبوع الماضي إلى مستوى غير مسبوق مسجلاً أرقام قاربت 9500 قبل أن يتراجع قليلاً لنحو 8000-7900.

ومع ترنح العملة المحلية وفقدان السودانيون القدرة على الشراء وتغطية النفقات اليومية، تحذر منظمات إغاثية من مستويات جوع كارثية في عدد من المناطق بالبلاد.

في الوقت نفسه، تتصاعد المعارك الميدانية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على محاور استراتيجية مختلفة، حيث يحاول كل طرف تعزيز نفوذه الميداني للضغط في أي مفاوضات سياسية أو أمنية مرتقبة مستقبلاً.

كما شهدت الجبهات الشرقية والجنوبية تحركات عسكرية مكثفة من الطرفين لتمشيط مناطق التماس والسيطرة على الطرق الحيوية، مما أسفر عن إغلاق شرايين تجارية رئيسية وزيادة عزلة الولايات المحاصرة عن مراكز الإمداد الرئيسية.

وفي السياق، يشير الخبير محمد الهادي،  إلى أن الاستراتيجيات العسكرية المتبعة حالياً تركز على قطع خطوط إمداد الخصم وتدمير البنى التحتية الحيوية، وهو ما يضاعف الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للحرب ويؤخر فرص التعافي السريع.

وعلى مستوى الحدود الإقليمية، تتزايد التوترات الأمنية والدبلوماسية وسط مخاوف دول الجوار من تمدد نطاق الصراع، مما دفع بعض الدول المجاورة لتشديد الإجراءات الحدودية والحد من حركة البضائع والأفراد.

في المقابل، تتحرك الدبلوماسية الدولية والأمريكية نحو فرض قيود إضافية وحظر للسلاح للتضييق على أطراف النزاع، إلا أن هذه المقترحات تصطدم برفض وتحفظات حكومية ورسمية ترى فيها مساساً بسيادة الدولة وحقها في الدفاع.

ويرى د. مصطفى صلاح، أن القرارات الدولية المتعلقة بحظر التسلح تفتقر إلى أدوات المراقبة الفعالة على الأرض، مما يجعل تطبيقها شكلياً دون أن يؤثر بشكل ملموس على تدفق السلاح والمعدات إلى جبهات القتال.

وتتزامن هذه التطورات الميدانية مع سعي السلطات الحكومية لتنشيط الملف الاقتصادي في الولايات الأكثر استقراراً، عبر توقيع مذكرات تفاهم وعقود استثمارية لترميم البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين والنازحين.

وشملت التحركات الاقتصادية الأخيرة توقيع اتفاقيات مبدئية مع شركات إسبانية وماليزية لتطوير قطاعات المياه والطاقة المتجددة، إضافة إلى تحسين الخدمات اللوجستية في الموانئ والمناطق الحيوية على ساحل البحر الأحمر.

وتهدف هذه المشاريع وفق نشرات للحكومة السودانية، إلى إيجاد بدائل اقتصادية تقلل من الاعتماد على الدعم الخارجي وتنعش خزينة الدولة، غير أن خبراء اقتصاد يشككون في قدرة الحكومة على تنفيذ هذه التعهدات في ظل الظروف الأمنية الراهنة.

ويؤكد محمد الهادي أن استقطاب الاستثمارات الأجنبية في بيئة تتسم بعدم الاستقرار السياسي والأمني يظل رهاناً عال المخاطر، حيث تتراجع ضمانات التنفيذ وتتضاعف تكلفة التأمين والشحن والعمليات اللوجستية للمشروعات المرتقبة.

ويضيف الهادي أن توفير المياه والكهرباء يستلزم استقراراً أمنياً شاملاً ونظاماً بنكياً فعالاً، وهما أمران مفقودان في الوقت الراهن نتيجة العقوبات المصرفية وتدهور القيمة الشرائية للعملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية.

على صعيد متصل، يرى د. مصطفى صلاح أن الإعلان عن العقود الاستثمارية يحمل رسائل سياسية موجهة للخارج وللداخل، مفادها أن مؤسسات الدولة ما زالت قائمة وقادرة على إدارة الموارد وإبرام الشراكات الدولية.

ويوضح صلاح أن الواقع المالي للحكومة يفرض صعوبات بالغة في الإيفاء بالالتزامات النقدية المقابلة لهذه المشاريع، مما قد يحول معظم مذكرات التفاهم إلى مجرد وعود حبر على ورق دون أثر ملموس على المواطن.

وتستمر التبعات الاقتصادية للحرب في إلقاء بظلالها على الحياة اليومية، حيث ارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وتراجعت القدرة الشرائية للغالبية العظمى من السكان نتيجة توقف المرتبات والأعمال.

وتعاني الأسواق المحلية من نقص حاد في السلع الأساسية والمواد الغذائية نتيجة صعوبة التنقل بين الولايات، فضلاً عن فرض إتاوات ورسوم عبور غير رسمية على شاحنات النقل التجاري عبر نقاط التفتيش المختلفة.

وأدى انهيار الخدمات الأساسية في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة إلى تفاقم المعاناة الإنسانية في المدن الكبرى، مما أجبر آلاف العائلات على الاعتماد على المبادرات الأهلية والتكافل الاجتماعي للبقاء على قيد الحياة.

وفي ظل هذه المعطيات، تصبح خيارات المواطن السوداني محصورة بين التعايش مع ظروف الحرب القاسية أو المخاطرة بالنزوح نحو أقاليم أخرى قد لا تتوفر فيها مقومات الحياة الأساسية والأمان المطلق.

تتزايد الضغوط الإقليمية والدولية لإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات، إلا أن الفجوة المتسعة بين مواقف الطرفين تجعل من الوصول إلى هدنة دائمة أو وقف لإطلاق النار هدفاً بعيد المنال في الوقت الحاضر.

ويؤكد محمد الهادي أن أي عملية سياسية لا تأخذ في الحسبان واقع الانقسام الميداني وتأثير الفاعلين المحليين ستكون عرضة للانهيار، مشدداً على أهمية صياغة رؤية شاملة تجمع بين المسارات الأمنية والإنسانية.

وينبه الهادي إلى أن استمرار الوضع الراهن يهدد بتفكيك مؤسسات الدولة بالكامل، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات الفوضى الشاملة التي يصعب السيطرة عليها أو حدها داخل الحدود الجغرافية للسودان.

من جانبه، يدعو د. مصطفى صلاح إلى ضرورة توحيد الجهود الإقليمية والدولية تحت مظلة واحدة، لتجنب تضارب المبادرات والوصول إلى صيغة ملزمة تفرض وقف العمليات العسكرية وتسمح بمرور المساعدات.

ويرى صلاح أن المدخل الأساسي لحل الأزمة يكمن في تغليب المصلحة الوطنية وتشكيل حكومة طوارئ مدنية تدير الملف الإنساني والاقتصادي، بعيداً عن تجاذبات القوى العسكرية المتصارعة على السلطة والنفوذ.

ومع انتهاء شهر سبتمبر الحالي، يتجه المشهد السوداني نحو مزيد من التعقيد والتداخل بين الأزمات الإنسانية والسياسية، وسط غياب أي مؤشرات جادة على انفراجة قريبة تنهي معاناة الملايين من أبناء الشعب.

وتبقى الآمال معلقة على قدرة المجتمع الدولي على التحرك السريع لإنقاذ سلاسل الإمداد الإنساني، ومنع انزلاق البلاد نحو مجاعة شاملة قد تطال آثارها الاستقرار الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ويظل التحدي الأكبر أمام السودانيين هو الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك المجتمعي والمؤسسي، في انتظار معجزة سياسية تضع حداً لهذه الحرب وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من البناء والاستقرار.