الفراغ الدستوري النقابي ما بين التهميش والتهشيم …نقابة الصحفيين السودانيين نموذجًا
منتصر أبو زيد
بصفتي مراقبًا من الخارج لانتخابات نقابة الصحفيين السودانيين في أغسطس من العام 2022 بدار المهندسين بالخرطوم، وحينها كمراقبين تم تمليكنا النظام الأساسي من قبل لجنة الانتخابات وقمنا بالاطلاع عليه وعلى لوائح الانتخابات؛ اكتب الآن بعد هذه الأعوام وأعلم أن هذه الدورة على نهايتها، وأن هنالك تحديًا أساسيًا يقع على عاتق الزملاء والزميلات في نقابة الصحفيين من أعضاء الجمعية العمومية ومجلس النقابة ومكتبها التنفيذي والنقيب كذلك. فكلهم الآن يحملون همًّا كبيرًا وهو مصير الحفاظ على هذا الشكل من أشكال الديمقراطية الذي أنتجه الزملاء في مهنة الصحافة، وأيضًا يُعتبر كسبًا من مكاسب ثورة ديسمبر التي جعلت هذا ممكنًا؛ فالكل يتذكر تمامًا أن هذه الانتخابات قامت في ظروف بالغة التعقيد، مما جعل مسؤولية الحفاظ على هذا المكسب تعادل مسؤولية الثورة ومسؤولية عهدها للتغيير.
التغيير الذي طرأ خلال هذه السنوات أنه هنالك فقرات دستورية في النظام الأساسي للنقابة -على ما أذكر (إن لم تخنّي الذاكرة)- أن المادة (21) الفقرة (1) مقرونة مع المادة (33) الفقرة (2) تجعلنا ننظر إلى مواد بعينها في نظام النقابة الأساسي نظرة مراجعة ونقد وتحليل.
كمثال، هنالك بند في النظام الأساسي، وهذا نصه: (عند نشوء ظرف قاهر يحول دون انعقاد الجمعية العمومية عقب انقضاء دورة النقيب ومجلس النقابة لأي سبب من الأسباب تمنع انتخاب نقيب ومجلس، يستمر المجلس القائم في تسيير شؤون النقابة لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد لحين إنجلاء الظرف). انتهت الفقرة.
وهنالك فقرة أخرى تنص على: (أن النقيب هو الممثل القانوني لنقابة الصحفيين والناطق الرسمي باسمها وممثلها في الداخل والخارج ما لم يفوض أيًّا من أعضاء المجلس). أيضًا انتهت هذه الفقرة.
أما المادة (44) بفقراتها (1، 2، 3، 4، 5) فقد تحدثت بوضوح عن تعديل النظام الأساسي. وعلى حد مراقبتي، فإنه لم يتم تعديل جوهري في هذا النظام الأساسي الذي أُجيز من قبل الجمعية العمومية في يوليو 2022، والذي هو الحاكم لما نذهب إليه من تحليل لما يجري من مخاوف حول الحفاظ على هذا الكيان في ظل هذه الظروف والتعقيدات البالغة التي تمر بها البلاد من ويلات حرب وتشريد ونزوح ولجوء، ولا نستثني الصحفيين من هذا الواقع المعاش وما ينعكس عليهم في نقابتهم المنتخبة.
حسب ما أوردتُ أو نقلتُ، فإن النظام الأساسي تحدث بشكل واضح أنه في حال وجود ظروف قاهرة منعت الجمعية العمومية من انتخاب نقيب جديد ومجلس جديد، فهناك ثلاثة أشهر قابلة للتجديد على النقيب والمجلس الحاليين لإدارة هذا الكيان حتى إنجلاء هذا الظرف.
لم يحدد النظام الأساسي: هل هذا التجديد مرتبط بقيد زمني؟ وهل هو تجديد لثلاثة أشهر أخرى، أم تجديدين، أم ثلاثة، أم أربعة؟ لكنه قالها بوضوح: (لحين إنجلاء هذا الظرف). فإذا كان هناك نقاش داخل الجمعية العمومية أو المجلس، فعليهم النظر إلى النصوص التي تُماسك الكيان النقابي أكثر من العبارات التي قد تسوقهم إلى تفكيك هذا الكيان.
لأن التجارب الدولية كثيرة حول العالم واجهتها التنظيمات النقابية في مثل هكذا ظروف؛ منها الاتحاد الوطني للصحفيين البريطاني (NUJ) في عامي 2020 و2021 إبان جائحة كورونا، حيث قام بتأجيل الانتخابات وجدّد للمجلس والمكتب النقابي إلى حين قيام الانتخابات، وأيضًا المجلس التنفيذي الوطني (NEC) سند هذا القرار الاضطراري لـتأجيل المؤتمر لسلامة عضويته من جائحة كورونا (كورونا لا الحرب).
كما حدث هذا في نفس تلك الفترة للنقابات المهنية الأردنية لذات السبب، وحدث نفس الإجراء (التمديد). أيضًا في نقابة الصحفيين الفلسطينيين التي واجهت ظروف الاحتلال والحروب الممتدة لعقود، مما جعل مجالسها المتعاقبة تستمر لفترات طويلة وتزيد لأكثر من مدتها المنصوص عليها والمتفق عليها في الدستور النقابي. وما لا يفوتنا ما يحدث في مصر الآن، حيث إن هنالك قراءات تقول بأن السلطة الإدارية عبر توصية من المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، تتجه النوايا الرسمية فيها لإصدار قرار جديد بتأجيل الانتخابات النقابية العمالية وتمديد الدورة النقابية الحالية (2022-2026) لمدة ستة أشهر إضافية تحت مبرر استكمال التحول الرقمي، مما يضع المكاتب القيادية الحالية أمام تمديد الفترة الحالية (فهذا يُعتبر تدخلاً إداريًّا يعصف بالحريات النقابية).
تمديد نقابة الصحفيين لقيادتها أمر طبيعي ويحدث في كثير من الأحيان لنقابات حول العالم بتفاصيل مختلفة، ولكن النتيجة واحدة وهي تجديد أو تمديد للقيادة الحالية إلى حين إنجلاء هذا الظرف.
الظرف الذي ناقشته أعلاه والتجارب حول الدول تجعلني أنظر إلى كذا سيناريو سيحدث عما قريب في نقابة الصحفيين السودانيين:
الأول: هو أن يحتكم الجميع لصوت العقل داخل الجمعية العمومية والمجلس والمكتب التنفيذي والنقيب، بأن يمددوا للقيادة الحالية لأكثر من ثلاثة أشهر، وقد تمتد لعام من تاريخ انتهاء الثلاثة أشهر الأولى قابلة للتجديد (لحين إنجلاء تلك الظروف) حسب ما ورد في النظام الأساسي، الذي لم يتكلم عما إذا استمرت هذه الظروف لأكثر من ثلاثة أشهر أخرى أو ربما ثلاثة أعوام أخرى، ماذا يحدث حينها وما هي التدابير الممكنة.
السيناريو الثاني: أن يشرع بعض الأعضاء في القيادة على مستوى المجلس أو المكتب التنفيذي أو النقيب بتقديم استقالاتهم من التكاليف تحت مبرر أن دورتنا المنتخبة انتهت ولا نريد مزيدًا من التكاليف، خصوصًا أن هنالك فقرة في النظام الأساسي حظرت على النقيب الجمع بين منصبه كـنقيب ورئاسة أي مؤسسة صحفية، وهذا ما وضعه في تحدٍّ آخر إن كان لديه رغبة في الرجوع إلى الحقل الصحفي دون تقييد من النقابة.
السيناريو الثالث: قد تتجه مجموعة قيادية إلى الطعن في أهلية هذا الكيان وأن دورته انتهت، ولا يذكرون هذه الفقرات في مواد النظام الأساسي، ويذهبون بهذه الشرعية إلى أي معسكر من معسكرات الحرب أو أي طاولة من طاولات التفاوض، ويعملون على تفتيت الوحدة النقابية، وحينها سيدخلون أعضاء النقابة في دوامة جديدة وحرب بيانات جديدة لا فائدة منها سوى ضياع الوقت والجهد للطرفين، وفي وقت قريب سيعرف الجميع أنها مجموعة منشقة لا أكثر ولا أقل باعت وحدة النقابة بثمن بخس سيقود النقابة إلى مرحلة التهميش ثم تهشيم النقابة بهذه التصبغات التي لا فائدة منها. فهذا ليس بجديد؛ حدث من قبل في المكتب التنفيذي لنقابة الأطباء إبان انقلاب يونيو 89 في القاهرة، حيث تم ترفيع أطباء للمكتب التنفيذي كانوا محسوبين على نظام الانقلاب، وكانت الذريعة هي نفسها (انتهاء مدة النقابة الانتخابية ولا بد من ملء الفراغ التنفيذي)، مما أجبر بعض الأطباء من أعضاء الجمعية العمومية في زمن لاحق لدعوة انتخابات بمستشفى أم درمان لعقد انتخابات وتسميتها (النقابة الشرعية لأطباء السودان)، وهو حراك رافض لتلك النقابة الجديدة وأنها ليست شرعية.
كل هذه السيناريوهات أضعها بين جموع النقابيين والنقابيات لكي نسهم في ما نراه مناسبًا؛ فخصوصًا مع مرور أيام بسيطة سنواجه نفس هذا التحدي في اللجنة التمهيدية لأطباء السودان، وفي نقابة الدراميين السودانيين، ونقابة أساتذة جامعة الخرطوم، وغيرها من النقابات التي مارست التمرين الديمقراطي في الفترة الماضية.
(نقابي حرفي)
