مصابو الحرب في السودان… بين رحلة العلاج والتأهيل وأمل الأطراف الصناعية
الخرطوم 7 أكتوبر 2026 – بين الحاجة إلى العلاج والتأهيل والأطراف الصناعية، يواجه مصابون جراء الحرب في السودان واقعاً جديداً يحاولون فيه استعادة استقلالهم والعودة إلى حياتهم التي توقفت بفعل الإصابة.
وفي مناطق الحرب والنزوح، لا تتوقف احتياجات المصابين عند إنقاذ حياتهم وعلاج جروحهم؛ فالبتر يفتح أمام الناجين رحلة طويلة من العلاج الطبيعي والتأهيل النفسي والحركي، والحاجة إلى أطراف صناعية وأجهزة مساعدة تتيح لهم استعادة قدرتهم على الحركة والاعتماد على أنفسهم.
وتزداد هذه الاحتياجات تعقيداً بالنسبة للأسر التي فقدت مصادر دخلها أو نزحت من مناطقها، إذ تصبح تكاليف العلاج والتنقل والرعاية عبئاً إضافياً على أسر تعاني أصلاً من تراجع قدرتها على توفير الغذاء والسكن والخدمات الأساسية.
حلم العودة إلى المدرسة
يقول «آدم عبد الله»، 12 عاماً، إن فقدان ساقه جعله يشعر بأن حياته توقفت عند لحظة الإصابة.
ويضيف لـ «سودان تربيون»: «قبل الحرب كنت أذهب إلى المدرسة وألعب كرة القدم مع أصدقائي. الآن أحتاج إلى شخص يساعدني في الحركة، وأحياناً أفضل البقاء في المنزل حتى لا يلاحظ الأطفال ساقي المبتورة».
وذكر أن أكثر ما يريده هو الحصول على طرف صناعي يمكنه من العودة إلى المدرسة واللعب مجدداً، مضيفاً: «أريد أن أكون مثل بقية الأطفال، لا أن يتذكر الناس أنني طفل مبتور الساق».
نظرات الآخرين
تروي «سارة صالح»، 14 عاماً، أن الإصابة لم تحرمها من الحركة فقط، بل جعلتها تواجه صعوبة في التعامل مع نظرات الناس إليها.
وتقول سارة لـ «سودان تربيون»: «أحياناً أشعر أن الناس ينظرون إليّ وكأنني مختلفة عنهم»، وأضافت: «توقفت عن الذهاب إلى بعض الأماكن لأنني لا أريد أن يسألني أحد عن ساقي»، مضيفة أن الحركة داخل المنزل وخارجه أصبحت أكثر صعوبة، وأن غياب الطرف الصناعي يجعلها تعتمد على أسرتها في كثير من احتياجاتها اليومية، وأردفت: «أريد أن أعود إلى المدرسة وأتحرك وحدي، وألا أشعر بالخوف عندما أخرج من المنزل».
أسرة بلا رعاية
أما «مريم محمد»، وهي أم لثلاثة أطفال، فتقول إن فقدان طرفها غيّر تفاصيل حياتها اليومية بصورة لم تكن تتوقعها.
وأوضحت مريم لـ «سودان تربيون»: «كنت أقوم بكل أعمال المنزل وأرعى أطفالي بنفسي، لكن بعد الإصابة أصبحت بعض الأعمال البسيطة تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، وأحياناً أحتاج إلى مساعدة من الآخرين».
وذكرت أن المعاناة لا تتوقف عند صعوبة الحركة، بل تمتد إلى تكاليف العلاج والتأهيل وعدم القدرة على توفير طرف صناعي مناسب، وتابعت: «أكثر ما يؤلمني أن أطفالي يحتاجون إليّ، وأنا أحياناً أحتاج إلى من يساعدني. أتمنى أن أستعيد قدرتي على الحركة وأن أعود إلى الاعتماد على نفسي».
فقدان العمل
يقول عبد الرحمن، 38 عاماً، إن أصعب ما واجهه بعد البتر هو فقدان عمله ومصدر دخله.
وأضاف لـ «سودان تربيون»: «كنت أعمل وأعيل أسرتي، وبعد الإصابة لم أعد قادراً على أداء عملي السابق». مضيفاً أنه أصبح يفكر كل يوم في كيفية توفير احتياجات أطفاله، بينما هو بحاجة إلى العلاج والطرف الصناعي.
ويقول إن الحصول على طرف صناعي قد يمثل بالنسبة إليه أكثر من مجرد وسيلة للحركة، بل فرصة للعودة إلى العمل واستعادة استقلاله.
وتابع: «لا أريد أن أعيش معتمداً على الآخرين. أريد أن أستطيع المشي والعمل وتوفير احتياجات أسرتي كما كنت أفعل قبل الإصابة».
رعاية طويلة الأمد
وقال الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة، عبد القادر أبو، إن نحو 300 طفل تعرضوا لبتر أطرافهم منذ اندلاع الحرب في السودان، بينهم 75 فتاة و225 من الذكور، تتراوح أعمارهم بين 7 و14 عاماً.
وأوضح عبد القادر أبو لـ «سودان تربيون» أن غالبية حالات بتر الأطراف وسط الأطفال سُجلت في ولاية الجزيرة، إلى جانب مدينة سنجة بولاية سنار، ومدينة بحري في ولاية الخرطوم.
وأشار إلى أن إصابات الأطفال تتفاوت بين الجروح الكبيرة والصغيرة، وفقاً للإحصاءات الطبية الواردة من المستشفيات والمراكز الصحية.
وكشف عن وجود نحو 125 طفلاً من مبتوري الأطراف يحتاجون إلى أطراف صناعية، وفقاً لآخر إحصاءات المجلس، موزعين في ولاية الخرطوم، ومدينة ود مدني بولاية الجزيرة، ومدينة سنجة بولاية سنار، إضافة إلى مناطق في جنوب كردفان.
وقال الأمين العام إن المجلس لا يمتلك إحصاءات واضحة حتى الآن بشأن أعداد الأطفال الذين تعرضوا لبتر الأطراف في ولايات دارفور، مشيراً إلى أن الجهات المختصة تعمل بالتعاون مع عدد من المنظمات الدولية والمحلية على حصر أعداد الأطفال المتضررين وتوفير الأطراف الصناعية لهم.
آثار نفسية متعددة
في السياق، قالت الأخصائية النفسية، د. أمينة محمد الشفيع، إن الأشخاص الذين تعرضوا لبتر أطرافهم خلال الحرب يواجهون آثاراً نفسية متعددة، تبدأ بالصدمة النفسية، ثم الاكتئاب، إلى جانب تحديات مرتبطة بتكوين الهوية، خاصة لدى الأطفال.
وأوضحت أمينة الشفيع لـ «سودان تربيون» أن الأطفال الذين تعرضوا لبتر الأطراف قد يواجهون صعوبات في تكوين هويتهم، فضلاً عن تعرضهم للتنمر من المجتمع، مشيرة إلى أن ذلك يتطلب دعماً مستمراً من الأسرة لمساعدتهم على التكيف مع أوضاعهم الجديدة.
وأكدت أن تحسن وضع الأطفال يرتبط، إلى حد كبير، بقدرتهم على استخدام الأطراف الصناعية بصورة جيدة، ما يساعدهم على الاندماج والتكيف والمضي قدماً في مراحل تكوين الهوية.
وقالت بالنسبة للبالغين إنهم قد يعانون شعوراً قوياً بالعجز وهزة نفسية وفقدان الثقة بالنفس، إلى جانب الخوف من الإصابة بالاكتئاب المزمن، الأمر الذي قد يدفع بعضهم إلى الانسحاب من المجتمع نتيجة شعورهم بفقدان أدوارهم السابقة.
وشددت الأخصائية النفسية على أهمية تقديم دعم نفسي كبير للمتضررين من جانب أسرهم، مع تجنب معاملتهم بالشفقة أو ترسيخ الشعور بالعجز لديهم، داعية إلى إشراكهم في تحمل المسؤوليات ومواصلة العلاج النفسي.
وأشارت إلى أن العلاج النفسي يساعد المتضررين على تقبل وضعهم الجديد والتعامل مع الغضب والمشاعر المصاحبة للتجربة، إلى جانب استخدام الأساليب العلاجية المناسبة وتشجيعهم على المشاركة والاندماج في المجتمع.
