«الصليب الأحمر»: تسجيل أكثر من (11) ألف مفقود جراء حرب السودان
الخرطوم 6 سبتمبر 2026 – كشف المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، عن إجراء اللجنة حواراً ثنائياً مستمراً وسرياً مع جميع الجهات المنخرطة في الأعمال العدائية في السودان، بهدف تذكيرها بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، كما تحدث عن تسجيل أكثر من 11 ألف مفقود حتى العام 2026.
وقال فريد الحميد، في مقابلة مع «سودان تربيون»، إن اللجنة تنخرط بصورة نشطة مع السلطات وحاملي السلاح، مشيراً إلى أنها دربت خلال النصف الأول من عام 2026 المئات من حاملي السلاح والضباط على قواعد الحرب.
وأبدى المتحدث قلقاً عميقاً إزاء أنماط الضرر التي وثقت خلال النزاع، خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني، موضحاً أن الجهات المنخرطة في الأعمال العدائية قدمت التزامات مهمة، من بينها ما ورد في إعلان جدة في مايو 2023، إلا أن الواقع بالنسبة للمدنيين لا يزال مقلقاً للغاية، في ظل استمرار المجتمعات في تحمل العواقب المدمرة للحرب.
المفقودون في صدارة الملفات

وذكر الحميد أن قضية المفقودين والمحتجزين تأتي في صدارة الملفات التي تعمل عليها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إذ تديرها بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر السوداني.
وأضاف “سجلت أكثر من 11 ألف حالة نشطة لأشخاص مفقودين حتى مطلع عام 2026، من بينها أكثر من 9 آلاف حالة سُجلت منذ اندلاع النزاع الحالي في أبريل 2023.”
وقال إن اللجنة تعتمد استجابة متعددة المسارات تشمل البحث عن المفقودين، وإعادة التواصل بين أفراد الأسر، ودعم الإدارة الآمنة والكريمة لرفات الموتى.
وأشار إلى أنه في النصف الأول من عام 2026، ساعدت اللجنة 38,512 عائلة على إعادة التواصل أو الحفاظ عليه عبر خدمة المكالمات الهاتفية المجانية، إلى جانب توفير الإنترنت اللاسلكي وخدمات شحن بطاريات الهواتف المحمولة.
كما تمكنت فرق اللجنة خلال الفترة نفسها من توضيح مصير ومكان 613 شخصاً مفقوداً من المسجلين لديها. وفي إطار التعامل مع رفات الموتى، وزعت اللجنة أكثر من 6,400 كيس جثث، ودربت المستجيبين الأوائل على ممارسات الدفن الآمن، بما يساعد على تحديد هوية المتوفين مستقبلاً وتوفير إجابات لعائلاتهم.
وأشار إلى أن المخاطر الأمنية وانقطاع خدمات الاتصالات تزيد من تعقيدات العمل الإنساني، خصوصاً خلال فترات تصاعد القتال، حيث يواجه المدنيون مخاطر متزايدة على سلامتهم، في وقت يفقدون فيه وسائل موثوقة للتواصل مع أسرهم أو الوصول إلى المعلومات وطلب المساعدة.
وقال إن الوصول إلى أماكن الاحتجاز لا يزال مقيداً للغاية، الأمر الذي يخلق تحديات كبيرة أمام مراقبة ظروف المحتجزين والحفاظ على الروابط العائلية وضمان حمايتهم.
وأضاف أن إدارة رفات الموتى وتحديد هوياتهم تمثل تحدياً إنسانياً بالغ الخطورة، مشيراً إلى تقارير تفيد بانتشال ودفن أكثر من 20 ألف جثة في الخرطوم وحدها، وفي كثير من الحالات من دون توثيق أو سجلات كافية.
وحذر من أن غياب التوثيق قد يجعل التعرف على هويات المتوفين مستقبلاً وتحديد مصير المفقودين أكثر صعوبة، ويترك عائلاتهم في حالة من عدم اليقين بشأن مصير أحبائهم.
وسيط محايد
وأوضح المتحدث أن اللجنة الدولية تعمل كوسيط محايد في عمليات الإفراج عن المحتجزين أو نقلهم، عندما تطلب منها الجهات المعنية ذلك وبموافقة صريحة من الأشخاص المعنيين.
وأكد أن اللجنة لا تتدخل في أسباب الاعتقال، ولا تشارك في وضع معايير اختيار المحتجزين أو القوائم النهائية للمفرج عنهم، باعتبار أن هذه المسؤولية تقع على عاتق الجهات المعنية.
وقال إن دور اللجنة يتركز على ضمان سلامة وكرامة الأشخاص خلال العملية، والتحقق من هوياتهم ووجودهم قيد الاحتجاز، وإجراء مقابلات فردية قبل المغادرة للتأكد من موافقتهم الطوعية، وتقييم احتياجاتهم الخاصة، بما في ذلك أوضاعهم الصحية، إلى جانب تنسيق النقل الآمن وتسهيل التواصل مع الأسر.
المساعدات والرعاية الصحية
وأكد فريد الحميد أن أولويات اللجنة خلال الفترة المقبلة ستتركز على توفير الرعاية الصحية الطارئة، واستعادة الوصول إلى مياه الشرب المأمونة، وتوزيع الغذاء والمواد المنزلية الأساسية ودعم سبل العيش. وأشار إلى أن اللجنة تواصل تكييف عملياتها بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر السوداني، التي تضم نحو 9 آلاف متطوع في 18 ولاية.
وأضاف أنه في شمال كردفان، على سبيل المثال، قدمت اللجنة مساعدات غذائية لأكثر من 40 ألف شخص، ودعماً نقدياً لأكثر من 35 ألف شخص، كما ساهمت في إعادة تأهيل إمدادات المياه ودعمت المستشفى التعليمي المحلي من خلال نشر فريق جراحي متنقل لعلاج الجرحى.
كما قدمت اللجنة خلال النصف الأول من العام مساعدات غذائية لنحو 42 ألف نازح في الأُبيض، ومساعدات نقدية لأكثر من 57 ألف نازح في ولايات متعددة، فضلاً عن مواد منزلية أساسية لنحو 8,800 نازح في مخيم كوستي.
كما ساعدت المنظمة في استعادة الوصول إلى مياه الشرب المأمونة لنحو 150 ألف شخص في ولايات مختلفة، إلى جانب حملات التوعية بالنظافة الصحية، كما دعمت مرافق صحية أولية ومستشفيات لعلاج عشرات الآلاف من المرضى، بما في ذلك المصابين بالكوليرا والملاريا وأمراض أخرى.
حماية المرافق الصحية والمدنيين
وشدد على أن القانون الدولي الإنساني يوفر حماية واضحة للمدنيين والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المرافق الصحية والخدمات الأساسية.
وقال إن ما بين 70 و80% من المرافق الصحية في المناطق المتضررة من النزاع لم تعد تعمل، مشيراً إلى أن اللجنة دعمت خلال النصف الأول من عام 2026 علاج نحو 5 آلاف شخص أصيبوا بجروح ناجمة عن الأسلحة في 18 مستشفى.
ودعا أطراف النزاع إلى اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع الإضرار بالمرافق الصحية والعاملين في القطاع الصحي، وتسهيل وصول الإمدادات الطبية الأساسية إلى المجتمعات بصورة آمنة وفي الوقت المناسب.
وأكد أن منشآت المياه والبنية التحتية الأخرى الضرورية لبقاء المدنيين تتمتع كذلك بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، مشدداً على ضرورة عدم استهدافها أو إتلافها أو استخدامها بما يتعارض مع وضعها المحمي.
تحديات أمنية ولوجستية
وقال المتحدث إن احتدام القتال وانعدام الأمن والأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية المدنية تمثل أبرز العقبات أمام العمل الإنساني، وأوضح أن تعطل شبكات المياه يزيد مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الكوليرا، بينما يؤدي انقطاع الكهرباء إلى تهديد الخدمات الصحية الأساسية، بما فيها العمليات الجراحية المنقذة للحياة.
وأشار إلى أن انقطاع الاتصالات يثير قلقاً خاصاً، لأنه يعزل المجتمعات ويحد من وصولها إلى المعلومات والمساعدات الحيوية، ويقيد قدرة المنظمات الإنسانية على التواصل وتنسيق عملياتها، وأضاف أن هذه الظروف قد تؤخر إيصال الإمدادات الطبية وتحد من الوصول إلى المجتمعات الضعيفة، خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط المواجهة أو التي يصعب الوصول إليها.
أزمة إنسانية متفاقمة
وفي تقييمه للوضع الإنساني، قال فريد الحميد إن السودان، بعد أكثر من ثلاث سنوات على النزاع، لا يزال يواجه أكبر أزمة نزوح في العالم وواحدة من أشد الأزمات الإنسانية على المستوى الدولي.
وذكر بأن التقديرات تشير إلى عدد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية بنحو 33 مليون شخص، أي أكثر من ثلثي سكان البلاد، بينما تجاوز عدد النازحين 11 مليون شخص، بينهم نحو 4 ملايين فروا إلى خارج البلاد بحثاً عن الأمان.
وقال إن جميع فئات السكان تأثرت بالنزاع بدرجات مختلفة، وإن الاحتياجات الإنسانية تتزايد بصورة خاصة في مناطق القتال النشط، بما في ذلك دارفور وكردفان وإقليم النيل الأزرق.
وأوضح أن المدنيين يواجهون انهياراً في الخدمات الأساسية، بالتزامن مع تدهور الأمن الغذائي نتيجة تعطل مواسم الزراعة بسبب القتال، وانهيار شبكات المياه والإصحاح، الأمر الذي ساهم في تفشي الأمراض.
وذكر أن موسم الأمطار يزيد من المخاطر التي تواجه النازحين في المخيمات والتجمعات المكتظة، خصوصاً الأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا، فضلاً عن حمى الضنك والملاريا.
وأشار المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن تحسين الوصول إلى المساعدات وحماية المدنيين يتطلبان التمسك بمبادئ الإنسانية وحماية حياة الإنسان وكرامته والحفاظ على النسيج الاجتماعي للسودان، مؤكداً أن هذه مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع الأطراف والجهات التي تملك القدرة على إحداث فرق، خصوصاً في ظل استمرار الحرب واتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية.
